- إسرائيل من رافعة الضغط العسكري إلى اختبار الضمانة الأمريكية
- لبنان بين هشاشة وقف النار وتعطيل مسار الستين يومًا
- لبنان اختبار الضمانة وحدود الاحتكاك بين واشنطن وتل أبيب
- وقف النار الهش ومسار الستين يومًا في مذكرة التفاهم الأمريكية ـ الإيرانية
وصف السيو: تقدير موقف يفحص كيف صار لبنان اختبارًا للضمانة الأمريكية وحدود الاحتكاك بين واشنطن وتل أبيب خلال مسار الستين يومًا.
الكلمات التحريرية: لبنان، الضمانة الأمريكية، واشنطن، تل أبيب، إسرائيل، إيران، حزب الله، وقف النار، مسار الستين يومًا، مضيق هرمز، محادثات سويسرا.
المقتطف الأول: يفحص هذا التقدير انتقال لبنان من متغير ضاغط إلى عقدة تنفيذية في مذكرة التفاهم الأمريكية ـ الإيرانية، وما يفرضه ذلك على واشنطن وتل أبيب خلال نافذة الستين يومًا.
المقتطف الثاني: قد لا تتعطل المذكرة من الملف النووي أولًا؛ فالجنوب اللبناني بات قادرًا على تجميد المسار إذا بقي وقف النار بلا قواعد انخراط قابلة للتحقق.
مقتطف قصير: لا تُختبر الضمانة الأمريكية أمام إيران وحدها، بل أمام قدرة واشنطن على ضبط هامش الحركة الإسرائيلي في لبنان.
مدخل تقديري
تتمثل إشكالية هذا التقدير في اختبار ما إذا كان التوتر الأمريكي ـ الإسرائيلي سيبقى داخل حدود الاحتكاك القابل للإدارة في تحالف غير متماثل، أم سيدفع تنفيذ مذكرة التفاهم الأمريكية ـ الإيرانية واشنطن إلى تضييق هامش الحركة الإسرائيلي، خصوصًا في لبنان.
يرجّح التقدير بقاء الاحتكاك داخل بنية التحالف، لكنه أصبح مشروطًا بقدرة واشنطن على منع الجنوب اللبناني من تعطيل مسار الستين يومًا. فلبنان لم يعد مؤشرًا خارجيًا على نجاح الضمانة الأمريكية؛ بل صار اختبارها الميداني الأقرب.
تقرأ الورقة الوقائع المتاحة حتى مساء ٢٠ حزيران/يونيو ٢٠٢٦، وتتعامل مع أرقام الضحايا، وحركة الملاحة، والتصريحات العسكرية بوصفها معطيات قابلة للتبدل.
تنقل مذكرة التفاهم الأمريكية ـ الإيرانية المؤقتة الخلاف الأمريكي ـ الإسرائيلي من سؤال إدارة الحرب إلى سؤال ضمان الخروج منها. في طور الحرب، استفادت واشنطن من رفع إسرائيل كلفة الضغط على إيران وشبكتها الإقليمية. ومع فتح نافذة الستين يومًا، أصبح السلوك الإسرائيلي في لبنان جزءًا من صدقية الضمانة الأمريكية نفسها. تبقى إسرائيل حليفًا أمنيًا لا يمكن تجاوزه، لكنها تغدو اختبارًا يوميًا لقدرة واشنطن على حماية الاتفاق الذي ترعاه.
لم يعد لبنان هامشًا في اختبار مذكرة التفاهم؛ صار الموضع الذي تُقاس فيه قدرة واشنطن على إلزام الحليف لا الخصم فقط.
بعد استئناف الضربات الإسرائيلية، ورد حزب الله، وربط إيران بين لبنان وهرمز، لم يعد الجنوب اللبناني متغيرًا ضاغطًا من خارج المسار؛ بل صار عقدة تنفيذية داخل المذكرة نفسها. ولا يكفي رفع درجة التحذير؛ المطلوب قراءة لبنان بوصفه موضع الاختبار الأول للضمانة الأمريكية.
ملخص تنفيذي
تضع وقائع ٢٠ حزيران/يونيو ٢٠٢٦ مذكرة التفاهم الأمريكية ـ الإيرانية أمام اختبارها الأول في لبنان. فوقف النار بين إسرائيل وحزب الله لم يتحول إلى سكون ميداني، بل إلى هدنة رخوة يتنازع الطرفان تعريف خرقها. أفادت رويترز بأن ضربات إسرائيلية قتلت ما لا يقل عن عشرين شخصًا في لبنان بعد يوم واحد من وقف النار، وقالت إسرائيل إنها ردت على أكثر من خمسين مقذوفًا أطلقها حزب الله باتجاه قواتها في الجنوب وفق المرجع ١٩.
لا ترى إسرائيل في المذكرة إطارًا ملزمًا، لأنها لم تكن طرفًا مباشرًا في مفاوضات واشنطن وطهران. لكن هذا الاعتراض لا يخرجها من التحالف الأمريكي؛ بل يكشف حدود الالتزام العملياتي عندما يتعارض مع حسابها الأمني في لبنان. تتمثل العقدة في أن على واشنطن تحويل اتفاق مع الخصم إلى قيود يقبلها الحليف، من دون أن تبدو كأنها تسحب مظلة الأمن عن إسرائيل.
في الجهة المقابلة، لا يتعامل حزب الله مع الوجود الإسرائيلي في الجنوب كشرط عسكري فقط، بل يحوّله إلى شرط سياسي وأمني لاستمرار الانضباط. يعلن الحزب التزامه بالتهدئة، لكنه يربطها بمنع إسرائيل من توسيع الحركة أو تثبيت السيطرة في الأراضي اللبنانية. بهذا الربط يدخل لبنان إلى نص التفاوض لا عبر وفد رسمي، بل عبر قاعدة ميدانية صارمة: لا تهدئة قابلة للحياة ما دام بند الانسحاب والضبط بلا تحقق. تكمن الدلالة الأخطر داخل لبنان نفسه؛ فربط قرار الحزب بحساب إيران الإقليمي يجعل الاستقرار اللبناني رهينة لتوازنات لا تديرها الدولة. وحين يصبح انضباط الجنوب جزءًا من مساومة أوسع بين طهران وواشنطن وتل أبيب، تتراجع ثقة العرب والمجتمع الدولي بالحكومة اللبنانية، ويزداد الضغط على بلد يقف أصلًا فوق توازن اجتماعي وطائفي واقتصادي شديد الهشاشة.
منحت إيران هذا الربط مداه الإقليمي حين نقلت أثر الجنوب إلى مضيق هرمز. أعلنت جهة عسكرية إيرانية إغلاق المضيق ردًا على ما عدّته خروقات للتهدئة، بينما أكدت القيادة المركزية الأمريكية استمرار العبور وذكرت مرور خمس وخمسين سفينة تجارية تحمل بضائع وأكثر من سبعة عشر مليون برميل نفط وفق المرجعين ٢٠ و٢١. لم يثبت الإغلاق بوصفه واقعة ملاحية مكتملة، لكنه أدى وظيفة سياسية واضحة: تحويل الخرق في لبنان إلى رسالة تفاوضية في الطاقة والملاحة وسويسرا. عند هذا الحد لا يبقى حزب الله فاعلًا لبنانيًا يتحرك داخل حساب محلي فقط؛ بل يصبح حلقة في منظومة ضغط إيرانية تستخدم الجبهة اللبنانية لتعديل كلفة التفاوض.
لذلك لا يصح فصل محادثات سويسرا عن الجنوب اللبناني. تضع التقارير المتاحة التحضير الأمريكي ـ الإيراني تحت ضغط توقيت الحضور ومستوى التمثيل بعد التصعيد في لبنان وفق المرجعين ٢١ و٢٢. لم ينهَر المسار، لكنه فقد حصانته: أصبح وقف النار في لبنان شرطًا عمليًا لبدء محادثات الستين يومًا، لا بندًا جانبيًا في هوامشها.
يظل المسار الأرجح احتكاكًا مُدارًا داخل التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي، لكن هذا الترجيح فقد هامشه الواسع. فإذا لم تنتج واشنطن، خلال سبعة إلى عشرة أيام، آلية تضبط السلوك الإسرائيلي، وتمنح إيران مخرجًا تفاوضيًا، وتعيد للدولة اللبنانية دورًا في التحقق، فقد تتعطل المذكرة من الجنوب قبل أن تُختبر في الملف النووي.
لا يكفي أن تبقى المذكرة قائمة في النص؛ قيمتها الفعلية تبدأ من قدرتها على منع الخرق المحدود من التحول إلى قاعدة.
أولًا: من مؤشر مبكر إلى عقدة تنفيذية
لا تقتصر دلالة أحداث ٢٠ حزيران/يونيو على إضافة واقعة جديدة إلى مسار قائم؛ بل تكشف تغير وظيفة لبنان داخل التقدير. كان الجنوب، قبل التصعيد الأخير، مقياسًا مبكرًا لاحتمال التعثر. وبعد الضربة والرد وبيان هرمز واضطراب محادثات سويسرا، تحول الجنوب إلى موضع التعثر نفسه.
يتضح التحول عند فصل المستويات. الواقعة: وقف النار لم ينتج هدوءًا مستقرًا. التفسير: كل طرف يختبر حدود الاتفاق من دون إعلان إسقاطه. التقدير: امتحان واشنطن الأصعب لم يبقَ إقناع طهران بالجلوس إلى الطاولة، بل منع إسرائيل من استخدام الميدان اللبناني لتعديل شروط تلك الطاولة.
لا يحتاج هذا الاختبار إلى انهيار شامل للهدنة. تكفي ضربات متقطعة تربك برنامج التفاوض، أو تمنح إيران سببًا لرفع كلفة هرمز، أو تدفع الأوروبيين والخليجيين إلى السؤال عن قيمة ضمان أمريكي لا يضبط حليفه الأقرب.
ثانيًا: وقف النار الهش ومعيار الضرورة
أُدرج وقف النار في لبنان ضمن تهدئة أوسع، لا كترتيب حدودي منعزل. لكن هشاشته ظهرت منذ ساعاته الأولى. قالت إسرائيل إنها ردت على مقذوفات أطلقها حزب الله نحو قواتها، واتهم حزب الله إسرائيل بالسعي إلى تثبيت حرية حركة داخل الأراضي اللبنانية. خلف الاتهامين مشكلة واحدة: كل طرف يعلن التزامه بالتهدئة ويحتفظ، في الوقت نفسه، بحق تعريف الخرق.
تضع هذه اللغة المزدوجة واشنطن أمام اختبار ضمان مركب. لا تستطيع مطالبة إسرائيل بالتخلي عن الرد على تهديد مباشر، ولا تستطيع قبول عمليات تفرغ وقف النار من مضمونه. مركز الخلاف ليس «حق الدفاع» بوصفه مبدأ عامًا، بل معيار الضرورة: متى تكون العملية ردًا أمنيًا محددًا، ومتى تصبح تعديلًا ميدانيًا لشروط التهدئة؟
في هذا الموضع لا تكون أرقام الضحايا ومواقع الضربات تفصيلًا إنسانيًا فقط، مع أن بعدها الإنساني قائم بذاته. اتساع الكلفة المدنية أو رقعة الضربات يمنح إيران وحزب الله حجة سياسية، ويضعف قدرة واشنطن على تقديم المذكرة كوثيقة ضبط متبادلة، لا كترتيب يسمح للحليف بما يمنعه عن الخصم.
ثالثًا: إسرائيل بين الاعتراض السياسي والانضباط العملياتي
تتعامل إسرائيل مع مذكرة التفاهم بوصفها نصًا لم تشارك في صياغته ولا يجوز أن يقيّد أمنها في لبنان. هذا الموقف مفهوم من زاوية الحساب الأمني الإسرائيلي، لكنه يخلق تناقضًا داخل التحالف. فإذا قبلت واشنطن الاعتراض بلا ضابط، فقد تفقد المذكرة قابلية التنفيذ. وإذا ضغطت علنًا على إسرائيل، فقد تظهر كأنها تقلص حرية حليفها في لحظة ترى فيها تل أبيب أن التهديد لم ينتهِ.
يساعد التمييز بين الاعتراض السياسي والانضباط العملياتي على تفكيك جزء من هذا التناقض. تستطيع حكومة نتنياهو الاحتفاظ بخطاب داخلي متشدد تجاه إيران وحزب الله. لكنها لا تستطيع، من دون كلفة أمريكية، تحويل ذلك الخطاب إلى نمط ضربات واسع خلال نافذة التفاوض. قد يكافئ الداخل الإسرائيلي التشدد اللفظي؛ أما النظام التفاوضي الذي ترعاه واشنطن فيعاقب التشدد الميداني إذا تجاوز عتبة الضرورة.
لا يحتاج التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي إلى إعلان أزمة كي يتغير. قد يجري التحول عبر قيود صغيرة: إخطار مسبق، وتضييق نطاق الهدف، ومنع تثبيت واقع انتشار، واحتساب أثر كل عملية في سويسرا وهرمز قبل تنفيذها. لا تكسر هذه القيود التحالف، لكنها تنقل جزءًا من القرار الإسرائيلي من منطق حرية الحركة إلى منطق الضمان المشترك.
رابعًا: حزب الله وإيران: ربط المصير وكلفة الدولة اللبنانية
لا يعمل حزب الله في هذه المرحلة بوصفه طرفًا لبنانيًا منفصلًا عن الحساب الإيراني. صحيح أنه يحتاج إلى وقف النار لتخفيف الكلفة العسكرية والسياسية داخل لبنان، لكنه لا يريد الظهور كطرف سلّم بأن التهدئة تمنح إسرائيل حرية عمل في الجنوب. لذلك يربط التزامه بالهدنة بمنع توسيع السيطرة الإسرائيلية وبإبقاء الوجود الإسرائيلي بندًا مفتوحًا على التحقق. يمنحه هذا الربط قدرة على القول إنه يدافع عن شرط سيادي، لكنه يشد، في الوقت نفسه، قرار لبنان الأمني إلى ميزان إيراني أوسع.
تستفيد إيران من هذه الصيغة لأنها تُبقي لبنان ورقة ضغط من دون مغادرة مسار سويسرا. خرجت طهران من المذكرة بمكسب تفاوضي نسبي: أصبحت طرفًا لا تستقر التهدئة من دونه، لكنها لم تحصل بعد على ضمان نهائي في النووي أو العقوبات أو الإقليم. ومن خلال حزب الله تستطيع أن تطالب بوقف الهجمات على حليفها، وأن ترفع كلفة السلوك الإسرائيلي، من غير أن تعلن إسقاط التفاوض.
تدفع الدولة اللبنانية الكلفة الأثقل في هذه الصيغة. فكلما بدا قرار حزب الله امتدادًا لحساب إيران، تآكلت قدرة الحكومة اللبنانية على إقناع الشركاء العرب والدوليين بأنها تملك قرار التهدئة أو تستطيع ضمانه. ولا يقتصر الأثر على الثقة الدبلوماسية؛ إذ ينعكس على الاستثمار، والمساعدات، وإعادة الإعمار، وعلى التوازنات الاجتماعية والطائفية التي لا تحتمل تحويل الجنوب إلى ساحة تفاوض مفتوحة. لذلك يتحول ربط الحزب مصيره بإيران إلى عامل هدم للاستقرار اللبناني الهش، حتى لو قُدّم في الخطاب الداخلي بوصفه دفاعًا عن السيادة.
ينبغي قراءة إعلان إغلاق هرمز كإشارة ضغط قبل التعامل معه كإغلاق مادي ثابت. ردت الولايات المتحدة بإظهار استمرار حركة السفن، بما يعني أن النزاع لم ينتقل بعد إلى إغلاق كامل. لكنه انتقل إلى مستوى أكثر حساسية: ربط جبهة محدودة جغرافيًا بعصب اقتصادي عالمي. عند هذه النقطة يصبح لبنان متغيرًا في حساب الطاقة، لا في حساب الأمن الحدودي فقط.
حين يتحول قرار الجنوب إلى ورقة في ميزان إيراني أوسع، تدفع الدولة اللبنانية كلفة تتجاوز الأمن إلى الثقة والاقتصاد والسيادة.
خامسًا: واشنطن بين إنجاز القوة واختبار الضمان
يعرض الخطاب الأمريكي الرسمي مذكرة التفاهم بوصفها إنجازًا تحقق من موقع القوة لا تنازلًا لإيران. قدّم البيت الأبيض الاتفاق باعتباره ضمانًا لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وإعادة فتح هرمز، وتثبيت منطق «أمريكا أولًا» في السياسة الخارجية وفق المرجع ٢٣. ترفع هذه الصياغة كلفة أي سلوك ميداني يظهر واشنطن عاجزة عن حماية شروط الاتفاق.
إذا بدا الاتفاق عاجزًا عند أول امتحان لبناني، فلن تكون المشكلة في النص وحده؛ بل في سلطة الضامن. لا يُختبر الضامن الأمريكي أمام إيران فقط، بل أمام إسرائيل أيضًا. والسؤال الأضيق، والأصعب سياسيًا، هو: هل تستطيع واشنطن منع الحليف من تعطيل ما وقعته مع الخصم؟
يتغير هنا وزن العلاقة الأمريكية ـ الإسرائيلية من دون أن تنكسر. واشنطن لا تسحب الغطاء الأمني من إسرائيل، ولا تراجع التحالف من جذوره، لكنها لا تستطيع منح حرية عملياتية واسعة في لبنان من دون احتساب أثرها في التفاوض النووي وحرية الملاحة وثقة الشركاء. ينتقل الخلاف بذلك من إدارة التباين إلى إدارة أثره.
سادسًا: لبنان وسويسرا وهرمز في سلسلة ضغط واحدة
تتضاعف خطورة اللحظة لأن الملفات الثلاثة باتت تعمل في سلسلة واحدة. لبنان يختبر قدرة واشنطن على تثبيت وقف العمليات. سويسرا تقيس قابلية المسار السياسي للاستمرار. هرمز يحول التعثر الميداني إلى كلفة اقتصادية دولية. ما كان يبدو احتمال ترابط أصبح، بعد أحداث ٢٠ حزيران/يونيو، بنية ضغط فعلية.
لا يعني ذلك أن كل ضربة إسرائيلية ستغلق المضيق أو تلغي التفاوض؛ فهذه قراءة مبالغ فيها. الحكم الأدق أن الضربة الواسعة أو المتكررة ترفع كلفة استمرار إيران في المسار، وتمنحها سببًا لطلب تنازلات إضافية، وتضع واشنطن بين الدفاع عن حليفها والدفاع عن صدقية اتفاقها.
الخطر الأعمق هو التعطيل الصامت. تبقى واشنطن قائلة إن المسار قائم، وتبقى إيران قائلة إنها تفاوض، وتبقى إسرائيل قائلة إنها ترد على تهديد ولا تخرق التهدئة. لكن النتيجة العملية تكون تآكل الضمانة من غير إعلان موتها. هذا النوع من التعطيل أصعب على الإدارة من الانهيار المعلن، لأنه لا يمنحها لحظة سياسية واضحة لإعادة ضبط المسار.
سابعًا: مواضع الخطر وفرص الضبط
الخطر الأول هو تطبيع الخرق المحدود. فإذا تحولت الضربات والردود إلى إيقاع يومي منخفض، فلن يُعلَن سقوط وقف النار، لكنه سيفقد قيمته. عندئذ يبقى مسار الستين يومًا قائمًا في الشكل ومشلولًا في الفعل.
الخطر الثاني هو إضعاف الدولة اللبنانية من داخلها. قد يحمي إدخال لبنان في تفاهم أمريكي ـ إيراني البلد تفاوضيًا من التصعيد، لكنه يصبح خطرًا إذا ظهر حزب الله كأنه يملك وحده قرار السلم والتصعيد نيابة عن الدولة. عند هذه النقطة لا تُهمّش بيروت في آلية التحقق فقط؛ بل تُضرب ثقة الخارج بالحكومة، وتتحول هشاشة الاقتصاد والاجتماع والطوائف إلى بيئة قابلة للاهتزاز عند كل جولة ضغط إيرانية أو رد إسرائيلي.
الخطر الثالث هو تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز متبادلة. تستطيع إيران رفع مستوى التلويح بالإغلاق من دون امتلاك قدرة مضمونة على تنفيذه. وتستطيع واشنطن استخدام استمرار حركة السفن لإظهار محدودية الإعلان الإيراني. غير أن الأسواق لا تنتظر اكتمال الوقائع؛ يكفيها منسوب مرتفع من الغموض كي ترفع كلفة التأمين والطاقة.
تكشف الهشاشة المبكرة فرصة ضبط ينبغي استثمارها قبل أن تتحول الثغرة إلى قاعدة. تستطيع واشنطن الانتقال من إدارة التصريحات إلى إدارة القواعد: من يقرر أن العملية ضرورية؟ ما سقف الهدف؟ من يتحقق من الخرق؟ كيف يبلّغ الطرف الآخر؟ وكيف ينعكس كل حادث على روزنامة سويسرا؟
ثامنًا: المسارات الثلاثة المحتملة للأزمة
المسار الأول: احتكاك مُدار مشروط بضبط لبنان
يبقى هذا المسار هو الأرجح، لكنه لم يعد واسع الهامش بعد أحداث ٢٠ حزيران/يونيو. يفترض استمرار التنسيق الأمريكي ـ الإسرائيلي، وتراجع وتيرة الضربات أو حصرها في أهداف قابلة للتبرير، وبقاء التحضير الأمريكي ـ الإيراني في سويسرا. الشرط الجديد أن تتحول واشنطن من وسيط بين مسارين إلى ضامن يضع قواعد للحركة في لبنان.
يقوم المسار على إدراك الأطراف أن كلفة الانهيار أعلى من كلفة الانضباط. واشنطن لا تريد خسارة اتفاق تقدمه إنجازًا استراتيجيًا. إسرائيل لا تريد خسارة الغطاء الأمريكي. وإيران لا تريد العودة إلى ضغط عسكري واقتصادي مفتوح قبل اختبار مكاسب التفاوض. لكن هذا التوازن يحتاج إلى آلية، لا إلى نوايا عامة.
المسار الثاني: لبنان يجمّد مسار الستين يومًا
أصبح هذا المسار أكثر قابلية للحدوث بعد اجتماع مؤشرين: خروقات وضربات بعد وقف النار، وربط إيراني بين لبنان وهرمز وسويسرا. لا يحتاج السيناريو إلى حرب شاملة. يكفي أن تتراكم الخروقات بحيث يصبح حضور الوفود إلى سويسرا مشروطًا بإجراءات تهدئة إضافية أو بتعهدات أمريكية لا تستطيع واشنطن تقديمها سريعًا.
في هذا المسار لا تسقط المذكرة دفعة واحدة؛ بل تتآكل عبر التأجيل، ورفع الشروط، وتبادل الاتهامات، وتحويل كل اجتماع تقني إلى نقاش حول الخرق الأخير. عندئذ ينتقل لبنان من ملف تنفيذ إلى ساحة إثبات متبادل: إسرائيل تثبت أن الاتفاق لا يقيّدها، وإيران تثبت أن واشنطن لا تضبط حليفها.
المسار الثالث: قواعد انخراط تنقذ الاتفاق من الجنوب
لم يبقَ هذا المسار توصية اختيارية؛ بل أصبح شرط إنقاذ لمسار الستين يومًا. يفترض أن تنتج واشنطن، خلال سبعة إلى عشرة أيام لا خلال أسابيع، بروتوكولًا مكتوبًا أو شبه مكتوب مع إسرائيل يحدد نطاق الأهداف، وزمن الإخطار، ومستوى التحقق، ومعيار الضرورة، وآلية تقدير أثر العملية في التفاوض.
يحتاج المسار إلى قناة لبنانية، ولو تقنية، كي لا تتحول التهدئة إلى تفاهم فوق السيادة اللبنانية. كما يحتاج إلى وسيط أو قناة إقليمية تساعد على تحويل البلاغات إلى وقائع قابلة للفحص. لا يلغي نجاحه التوتر؛ لكنه يمنعه من تعطيل المسار الأكبر.
مؤشرات المسارات وعتبات المراجعة
المسار الأول هو الاحتكاك المُدار المشروط. يتحقق إذا استمر التنسيق الأمريكي ـ الإسرائيلي، وانخفضت وتيرة الضربات، وبقي حضور الوفود إلى سويسرا قائمًا، واستمر العبور في هرمز فعليًا رغم التصعيد اللفظي. اختلال مؤشر واحد يضعف الترجيح، أما اختلال مؤشرين خلال أسبوع فيفرض مراجعة عاجلة للتقدير. أثر هذا المسار في الفرضية أنه يحفظ الخلاف داخل التحالف، لكن ضمن هامش أضيق من مرحلة ما قبل التصعيد الأخير.
المسار الثاني هو تجميد التفاوض من لبنان. علاماته: ضربات إسرائيلية واسعة أو متكررة، وردود من حزب الله، وربط إيراني رسمي بين لبنان وهرمز، وتأجيل أو خفض في مستوى التمثيل في محادثات سويسرا. اجتماع مؤشر ميداني ومؤشر تفاوضي معًا يجعل التعطيل الصامت أقرب. أثره أنه يقوي فرضية تضييق هامش الحركة الإسرائيلي، لا كخيار عقابي، بل كضرورة لإنقاذ الاتفاق.
المسار الثالث هو قواعد انخراط منقذة. يتحقق إذا ظهرت قناة واضحة لقواعد الانخراط، ودخلت آلية تحقق لبنانية أو إقليمية، وأصبح معيار الضرورة والتناسب والإخطار قابلًا للفحص. غياب هذه الآلية خلال الأيام العشرة الأولى بعد وقف النار يرفع احتمال المسار الثاني. أثر هذا المسار أنه يحفظ التحالف ويقلل الحاجة إلى صدام أمريكي ـ إسرائيلي علني.
غياب قواعد الانخراط خلال الأيام العشرة الأولى يرفع احتمال أن يتجمد التفاوض من لبنان، لا من الملف النووي.
تاسعًا: الترجيح
الترجيح: احتكاك مُدار داخل التحالف، مشروط بقدرة واشنطن على منع لبنان من تعطيل مسار الستين يومًا.
يحافظ هذا الحكم على جوهر الفرضية الأصلية، لكنه يضيّق هامشها. لم يبقَ كافيًا القول إن التحالف قادر على امتصاص الخلاف كما فعل في سوابق تاريخية. الاختبار الحالي لا يتعلق بخلاف بعد الحرب فقط، بل باتصال مباشر بين جبهة ميدانية، ومسار تفاوض نووي، وممر ملاحي عالمي.
لا تزال واشنطن وتل أبيب تملكان مصلحة في منع الكسر الاستراتيجي، ولا تزال إيران تحتاج إلى المسار التفاوضي. لكن التوازن لم يبقَ قائمًا بذاته؛ إذ يحتاج إلى آلية. ومن دون هذه الآلية يستطيع كل طرف ادعاء الالتزام وهو يدفع المذكرة إلى التآكل.
لذلك تصبح الأيام العشرة التالية لوقف النار أهم من النص الأصلي للمذكرة. إذا نجحت واشنطن في ضبط قواعد لبنان، حصلت المذكرة على فرصة حياة. وإذا عجزت، ستصبح سويسرا غرفة تفاوض معلقة على إيقاع الضربات في الجنوب.
عاشرًا: ما يلزم فعله خلال نافذة الستين يومًا
تحتاج الإدارة الأمريكية إلى رفع مستوى التعامل مع لبنان من ملف متابعة إلى ملف ضمان. الاتصال بعد الخرق لا يكفي، وحث الأطراف على ضبط النفس لا ينتج قاعدة. المطلوب بروتوكول قواعد انخراط يسبق العملية بدل التعليق عليها بعد وقوعها.
تحتاج الحكومة الإسرائيلية إلى إدراك أن الاعتراض السياسي على مذكرة لم تشارك في صياغتها لا يمنحها حرية عملياتية مطلقة. تستطيع تل أبيب طلب ضمانات مكتوبة من واشنطن والاحتفاظ بحق الرد على تهديد موثق، لكنها تخسر سياسيًا إذا جعلت الجنوب اللبناني وسيلة تعديل لشروط تفاوض لا تعترف بها.
تحتاج إيران إلى الفصل بين الضغط التفاوضي والابتزاز الملاحي. استخدام هرمز أداة تلويح قد يرفع كلفة واشنطن، لكنه قد يدفع الشركاء الخليجيين والأوروبيين إلى الاصطفاف ضد طهران إذا بدا الممر العالمي رهينة للتصعيد في لبنان.
تحتاج الدولة اللبنانية إلى موقع داخل التحقق، وإلى خطاب رسمي يميز بين حماية الجنوب وربط قرار البلاد بمحور خارجي. ليس المطلوب من بيروت ادعاء قدرة لا تملكها، بل تثبيت حقها في أن تكون قناة التحقق والاتصال، وأن تطلب من الشركاء العرب والدوليين دعم هذه القناة بدل التعامل مع لبنان كملحق بمساومة إيرانية. حضور الدولة لا يحل أزمة السلاح، لكنه يمنع شطب السيادة من معادلة التهدئة.
التوصيات التنفيذية خلال نافذة الستين يومًا
على الإدارة الأمريكية أن تعتمد، خلال سبعة إلى عشرة أيام من وقف النار، بروتوكول قواعد انخراط في لبنان يحدد نوع الأهداف، وزمن الإخطار، وسقف القوة، وآلية التحقق، وأثر أي عملية في مسار سويسرا وهرمز. تنفذ واشنطن ذلك عبر قناة أمريكية ـ إسرائيلية ثابتة، مع إعلان خطوط عامة لا تكشف التفاصيل العملياتية. كلفته اعتراض إسرائيلي داخلي، ومخاطره اتهام واشنطن بتقييد الحليف. أما البديل الاحتياطي فهو بروتوكول سري يعلن معيار الضرورة والتناسب فقط.
على الحكومة الإسرائيلية أن تفصل فورًا بين اعتراضها السياسي وسلوكها العملياتي. يجب أن يرتبط أي عمل في لبنان بتهديد موثق وفوري، أو بإخطار مسبق عندما لا يكون الخطر عاجلًا. الكلفة ضغط داخلي على الحكومة، والخطر ظهور نتنياهو بمظهر المتراجع. البديل الاحتياطي هو تحفظ سياسي معلن مع انضباط عملياتي محدود خلال نافذة الستين يومًا.
على الدولة اللبنانية أن تطلب، خلال أسبوع، إدخال قناة رسمية أو مقبولة وطنيًا في آلية التحقق من الخروقات. تتحرك الحكومة والجيش عبر قناة أممية أو إقليمية مساعدة، وتقدمان إحاطة عربية محددة حول حاجات التثبيت والتمويل. الكلفة اعتراض أطراف داخلية، والخطر اتهام بيروت بتدويل الملف أو بمواجهة حزب الله سياسيًا. البديل الاحتياطي قناة تقنية صامتة تبدأ بتوثيق الخروقات وحماية المساعدات والاستثمار من أثر التصعيد.
على إيران أن تخفض استخدام هرمز أداة تلويح قبل أي جولة سويسرية لاحقة. الطريق العملي هو رسالة دبلوماسية إلى الوسطاء تربط الاعتراض بتقارير تحقق في لبنان بدل التهديدات الملاحية الواسعة. الكلفة تقليل الضغط الرمزي، والخطر ظهور طهران بمظهر المتراجع. البديل الاحتياطي هو تحذيرات سياسية غير تشغيلية لا تمس حركة السفن.
على الأوروبيين والخليجيين أن يربطوا دعم مسار سويسرا بحرية الملاحة وآلية تحقق لبنانية، لا بتأييد عام للمذكرة. يتم ذلك قبل الاجتماع التفاوضي التالي عبر بيان منسق أو قناة خلفية مع واشنطن وطهران. الكلفة حساسية تجاه إسرائيل وإيران، والخطر اتهامهم بتوسيع الملف. البديل الاحتياطي دعم تقني لآلية تحقق من دون إعلان سياسي واسع.
الحكم الختامي وحدوده
تكشف المعطيات أن التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي لم يدخل مرحلة كسر، لكنه دخل مرحلة ضبط أصعب. لا تستطيع واشنطن تقديم الاتفاق مع إيران بوصفه إنجازًا من موقع القوة ثم ترك أول اختبار لبناني يعطله. ولا تستطيع إسرائيل البقاء حليفًا عملياتيًا حر الحركة إذا أصبحت عملياتها تمس صدقية الضمانة الأمريكية في النووي وهرمز وسويسرا.
الحكم النهائي أن لبنان انتقل من متغير ضاغط إلى عقدة تنفيذية. وإذا لم تنتج واشنطن آلية قواعد انخراط خلال سبعة إلى عشرة أيام، فقد تصبح مذكرة التفاهم قابلة للتعطيل من الجنوب قبل أن تُختبر في الملف النووي. لا يعني ذلك أن إيران ربحت المسار أو أن إسرائيل خسرت حريتها الأمنية؛ بل يعني أن الضمانة الأمريكية باتت مطالبة بإثبات قدرتها على إلزام الحليف لا الخصم فقط.
إذا عجزت واشنطن عن إنتاج قواعد انخراط، فقد تُعطَّل المذكرة من الجنوب قبل أن تُختبر في الملف النووي.
حدود هذا الحكم واضحة: الأرقام الميدانية قابلة للتبدل، وحركة هرمز قابلة للتغير خلال ساعات، ومستوى التمثيل في سويسرا قد يتغير تبعًا للاتصالات. تبقى حدود هذا الحكم مشروطة بتغير الوقائع؛ إذ يتعين إعادة تقدير الحكم إذا ثبت وقف النار ثلاثة أيام متصلة، أو وقع تصعيد واسع، أو صدر إعلان رسمي عن قواعد انخراط أمريكية ـ إسرائيلية جديدة.
ملحق توثيقي مختصر: خريطة الادعاء والمصدر
تربط الخريطة الآتية الوقائع المركزية بمصادرها وحدود استخدامها داخل التقدير. وتُعامل المصادر الخبرية بوصفها تثبيتًا للواقعة ضمن حدودها الزمنية، لا بوصفها إغلاقًا لحكم استراتيجي نهائي.
الادعاء الأول: وجود مذكرة تفاهم أمريكية ـ إيرانية مؤقتة ذات نافذة تفاوضية قدرها ستون يومًا، مع اتصالها بلبنان وهرمز والملف النووي. مصدر التحقق رويترز في المرجعين ٨ و٢١، والبيت الأبيض في المرجع ٢٣. يُستخدم الادعاء ضمن حدود الإقفال، مع بقاء التنفيذ قابلًا للتغير.
الادعاء الثاني: دخل وقف النار في لبنان سريعًا حالة هشاشة بعد ضربات إسرائيلية وردود واتهامات متبادلة بالخروق. مصدر التحقق رويترز في المرجع ١٩ والغارديان في المرجع ٢٢. يُستخدم الادعاء بوصفه مؤشرًا على بدء اختبار الضمانة.
الادعاء الثالث: تقول إسرائيل إنها ليست طرفًا في الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني وتحتفظ بقوات في أراضٍ لبنانية تحتلها. مصدر التحقق رويترز في المرجع ٢١. يُستخدم الادعاء لتفسير حدود الالتزام الإسرائيلي، لا لإثبات انهيار التحالف.
الادعاء الرابع: أعلنت إيران إغلاق هرمز أو لوّحت به، بينما أكدت الولايات المتحدة استمرار العبور. مصدر التحقق رويترز في المرجع ٢٠ والقيادة المركزية الأمريكية في المرجع ٢٤. يُستخدم الادعاء بوصفه إعلانًا متنازعًا عليه عمليًا، لا إغلاقًا ماديًا ثابتًا.
الادعاء الخامس: لم تنهَر محادثات سويسرا، لكنها أصبحت مرتبطة ميدانيًا بوقف القتال في لبنان. مصدر التحقق رويترز في المرجع ٢١ والغارديان في المرجع ٢٢. يُستخدم الادعاء لتعديل الترجيح، لا لإعلان فشل المسار.
المراجع




































