- إنهاء العقوبات الإيرانية: وعد سياسي واسع وسلطة تنفيذية محدودة
- بين صلاحيات الرئيس الأمريكي وحدود الكونغرس ومجلس الأمن وأوروبا: كيف يتحول وعد إنهاء العقوبات إلى اختبار للتنفيذ؟
- اختبار بند «إنهاء جميع أشكال العقوبات» بين صلاحيات البيت الأبيض وقيود الكونغرس ومجلس الأمن وأوروبا والوكالة الدولية للطاقة الذرية
السؤال المركزي: هل يمثل بند «إنهاء جميع أشكال العقوبات» التزامًا أمريكيًا قابلًا للتنفيذ، أم صياغة سياسية واسعة تمنح إيران مكسبًا تفاوضيًا أوليًا من دون ضمانة قانونية نهائية؟
الفرضية: يمنح بند الإنهاء إيران اعترافًا سياسيًا بأن منظومة العقوبات قابلة للتفكيك، غير أن هذا الاعتراف لا يتحول، بذاته، إلى رفع قانوني شامل. ولكي يصبح قابلًا للتنفيذ، يحتاج إلى جدول يميّز بين العقوبات الرئاسية، والتشريعية، والأممية، والأوروبية، والحقوقية، ويربط كل طبقة بمؤشر تحقق، وأداة قانونية، وزمن مراجعة، وآلية عودة.
حكم التقدير: يستطيع الرئيس الأمريكي، في حدود سلطته التنفيذية، إنتاج أثر اقتصادي سريع قريب من رفع العقوبات عبر الإعفاءات، والتراخيص، وخفض الإنفاذ. غير أن هذا الأثر لا يساوي الإنهاء القانوني الكامل؛ فهو لا يلغي قوانين الكونغرس، ولا ينهي عقوبات مجلس الأمن، ولا يلزم الاتحاد الأوروبي بتغيير أدواته الخاصة.
لا تعني كلمة «إنهاء»، عمليًا، محو نظام العقوبات دفعة واحدة، بل فتح مسار تفكيك متعدد الطبقات.
مدخل تقديري
يضع بند «إنهاء جميع أشكال العقوبات» في المذكرة الأمريكية ـ الإيرانية، المطروحة للتفاوض، الملف الاقتصادي في قلب المسار السياسي. فالمسألة لا تتعلق بتخفيف محدود أو بإجراء فني معزول، بل بملامسة منظومة ضغط تراكمت، على مدى سنوات، عبر مسارات متوازية: مجلس الأمن، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وآليات حقوق الإنسان.
تتولد قوة البند، أولًا، من أثره السياسي قبل قيمته القانونية. فهو ينقل العقوبات من أداة مفتوحة بلا أفق واضح إلى ملف قابل للجدولة والمساومة ضمن اتفاق نهائي. غير أن هذا النقل يظل مشروطًا بسقف السلطة الأمريكية؛ إذ تستطيع واشنطن تعليق أثر جزء واسع من عقوباتها التنفيذية والثانوية، لكنها لا تملك منفردة شطب قوانين الكونغرس، أو رفع عقوبات مجلس الأمن، أو إلزام أوروبا بتغيير موقفها.
على هذه الخلفية، تبدو كلمة «إنهاء»، في التطبيق العملي، أقرب إلى افتتاح مسار تفكيك متعدد الطبقات منها إلى محو نظام العقوبات دفعة واحدة: رفع سريع حيث تكفي السلطة التنفيذية، وتعليق مشروط حيث يلزم اختبار الامتثال، وإعفاءات متجددة حيث يتعذر الإلغاء التشريعي، وملفات تبقى خارج القدرة الأمريكية المباشرة.
ملخص تنفيذي
يمتلك دونالد ترمب قدرة واسعة على إنتاج أثر اقتصادي سريع يشبه رفع العقوبات، من خلال الإعفاءات النفطية، والتراخيص المالية، وخفض وتيرة الإنفاذ. غير أن هذه القدرة، في مستواها القانوني الدقيق، لا تكفي لتقديم ضمانة نهائية لإيران بأن العقوبات التشريعية أو الدولية انتهت إلى الأبد.
من هذه النقطة تحديدًا تظهر فجوة التوقعات: قد تقرأ إيران البند بوصفه تعهدًا بنتيجة، بينما تميل واشنطن إلى قراءته بوصفه التزامًا بمسار. وإذا بقيت اللغة التنفيذية سائبة، فقد تتحول هذه الفجوة إلى أول اختبار داخلي للاتفاق.
لذلك لا تُقاس الأهمية العملية للبند باتساع لغته فقط، بل بقدرة الإدارة الأمريكية على تحويل التعهد التفاوضي إلى جدول يصمد أمام الكونغرس، ومجلس الأمن، والاتحاد الأوروبي، والأسواق.
في ضوء هذه القيود، يرجح التقدير أن ينتج البند تخفيفًا اقتصاديًا ملموسًا في المرحلة الأولى، إذا تعاونت إيران مع الوكالة الدولية، واستُعيد انسياب الملاحة التجارية في مضيق هرمز، وتراجعت مؤشرات التصعيد الإقليمي. أما الإنهاء القانوني الكامل، فيبقى مسارًا أطول يحتاج توافقًا أمريكيًا وأوروبيًا وأمميًا، وإدارة دقيقة لاعتراضات الكونغرس وإسرائيل والفاعلين الإيرانيين المستفيدين من اقتصاد العقوبات.
وعلى هذا الأساس، تتمثل التوصية المركزية في تحويل البند من وعد عام إلى خريطة تنفيذية تفصل بين ما يمكن رفعه سريعًا بقرار رئاسي، وما يحتاج إلى تفاوض مع الكونغرس أو مجلس الأمن أو أوروبا. فمن دون هذا الفصل، قد يصبح الغموض نفسه مصدر أزمة مبكرة داخل الاتفاق.
العقوبات على إيران ليست كتلة واحدة
تمنح عبارة «جميع أشكال العقوبات» انطباعًا أوليًا بالحسم، لكنها تخفي تعددًا قانونيًا وسياسيًا واسعًا. فإيران لا تواجه عقوبة واحدة يمكن رفعها بقرار واحد، بل منظومة مركبة نشأت عبر خمسة مسارات متداخلة، ولا يستقيم تقدير قابلية الرفع من دون تفكيك هذه المسارات أولًا.
يبدأ المسار الأول من مجلس الأمن، ويرتبط بالبرنامج النووي والصاروخي، وحظر نقل المواد والتقنيات، وتجميد الأصول، وإدراج الأفراد والكيانات. وبعد إعادة تفعيل قرارات العقوبات، عادت لجنة القرار ١٧٣٧ إلى موقعها الإجرائي، وتضم قائمتها الحالية ٤٣ فردًا و٧٨ كيانًا.
أما المسار الثاني فهو أمريكي، وهو الأوسع أثرًا في الاقتصاد العالمي، لأنه يجمع بين عقوبات أولية تمنع الأشخاص والشركات الأمريكية من التعامل مع إيران، وعقوبات ثانوية تضغط على الشركات والبنوك الأجنبية المتعاملة مع قطاعات إيرانية محظورة. وتزيد تنبيهات وزارة الخزانة الأمريكية الصادرة في ٢٠٢٦ حساسية هذا البرنامج، ولا سيما في النفط والشحن والمدفوعات المرتبطة بمضيق هرمز.
ويأتي المسار الثالث أوروبيًا. ورغم أنه أقل امتدادًا خارج الإقليم من العقوبات الأمريكية، فإنه مؤثر في التمويل، والتأمين، والنقل، والطاقة، والتكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، وملفات حقوق الإنسان، والحرس الثوري، ودعم روسيا، والتهديدات الملاحية. وقد أعاد مجلس الاتحاد الأوروبي في ٢٩ أيلول/سبتمبر ٢٠٢٥ فرض العقوبات النووية والاقتصادية والمالية التي كانت رُفعت بعد اتفاق ٢٠١٥.
وإلى جانب هذه المسارات، يوجد مسار رقابي فني مصدره الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس محافظيها. هذا المسار لا يفرض عقوبات اقتصادية مباشرة، لكنه يوفّر الشرعية الفنية التي تجعل رفع العقوبات ممكنًا أو مكلفًا سياسيًا. أما المسار الخامس فهو حقوقي، يرتبط بمجلس حقوق الإنسان وآليات تقصي الحقائق؛ ولا يفرض عقوبات مالية بذاته، لكنه يدعم سلال العقوبات الحقوقية الأمريكية والأوروبية، ويمنحها سندًا سياسيًا وأخلاقيًا.
ومن ثم، لا يصبح الحديث عن «إنهاء جميع العقوبات» جادًا إلا إذا قُسمت المنظومة إلى طبقات: ما يمكن رفعه سريعًا، وما يمكن تعليقه، وما يحتاج إلى قرار دولي، وما سيبقى مرتبطًا بملفات غير نووية بالكامل.
دلالة كلمة «إنهاء»: بين النتيجة والمسار
لا تبدو كلمة «إنهاء» تفصيلًا لغويًا عابرًا في هذا السياق. فالفارق بين الإنهاء والتعليق جوهري في المفاوضات مع إيران؛ إذ تريد طهران أكثر من سماح مؤقت ببيع النفط، وتبحث عن اعتراف بأن نظام العقوبات الذي قيّد اقتصادها لعقود قابل للتفكيك، لا قدر دائم.
بهذا المعنى، يمنح البند إيران مكسبًا سياسيًا مبكرًا. فهو ينقل العقوبات من أداة عقابية مستمرة إلى ملف تفاوضي قابل للجدولة. غير أن الصياغة نفسها تحمل قيدًا مهمًا: الإنهاء يتم وفق جدول زمني متفق عليه في الاتفاق النهائي، أي إن البند لا ينتج رفعًا مباشرًا بقدر ما يفتح تفاوضًا حول الرفع.
من هنا تبدأ المساومة الأصعب: ستسعى إيران إلى تحويل كلمة «إنهاء» إلى التزام بنتيجة، بينما ستسعى واشنطن إلى إبقائها التزامًا بمسار. وإذا لم تُحسم هذه الثنائية في ملحق تنفيذي واضح، فقد ينتقل البند، تدريجيًا، من عنصر تهدئة إلى مصدر اتهام متبادل.
سلطة الرئيس الأمريكي وسقفها الدستوري
يمتلك الرئيس الأمريكي أدوات قوية لتخفيف العقوبات: إلغاء أو تعديل أوامر تنفيذية سابقة، وإصدار تراخيص عامة أو خاصة عبر وزارة الخزانة، وتفعيل إعفاءات الأمن القومي، وتوجيه الأجهزة التنفيذية إلى خفض وتيرة الإنفاذ. وهذه قدرة واسعة بالفعل، لكنها تظل تنفيذية بطبيعتها؛ فإذا قررت الإدارة تخفيف الضغط عن مشتري النفط الإيراني وشركات التأمين والبنوك التي تمرر مدفوعات محددة، فقد يظهر أثر اقتصادي ملموس بسرعة.
لكن هذا الأثر لا يتجاوز، من تلقاء نفسه، حدود الدستور والقوانين القائمة. فالرئيس لا يستطيع شطب قوانين أقرها الكونغرس، ولا تحويل الإعفاء المؤقت إلى ضمان دائم، ولا منع رئيس أو كونغرس لاحقين من إعادة التشديد إذا تغيرت البيئة السياسية. ولذلك تميّز الشركات العالمية بين الإعفاء بوصفه فرصة تشغيلية، والاستقرار القانوني بوصفه شرطًا للاستثمار طويل الأمد.
بهذا الميزان، تتجاوز عبارة «إنهاء جميع العقوبات الأمريكية» ما يستطيع الرئيس إنجازه وحده إذا قُرئت بمعناها القانوني الشامل. أما عمليًا، فيستطيع ترمب، إذا توافرت إرادة سياسية كافية، أن يحاكي الإنهاء عبر وقف الإنفاذ، وتوسيع الإعفاءات، وإلغاء الأوامر التنفيذية ذات الصلة. وبذلك يفتح الباب الاقتصادي أمام إيران، من دون أن يمنحها مفتاحًا قانونيًا نهائيًا يمنع إغلاق الباب لاحقًا.
قانون إنارا: حين يصبح الإعفاء مكلفًا
يمثل قانون مراجعة الاتفاق النووي الإيراني، المعروف اختصارًا بقانون إنارا، أحد مراكز الكلفة السياسية والإجرائية داخل الولايات المتحدة. فقد وُضع أصلًا لمنع الإدارة من إدارة الاتفاقات النووية مع إيران بعيدًا عن رقابة الكونغرس. وهذا لا يعني أن الكونغرس يستطيع تلقائيًا منع كل خطوة تنفيذية، لكنه يمنحه قدرة على جعل كل خطوة أكثر كلفة وتعقيدًا.
وتظهر هذه القدرة عبر أدوات متعددة: جلسات استماع، وشروط على الإعفاءات، وتقييد للتمويل، وقرارات رفض، وربط لتخفيف العقوبات بملفات الحرس الثوري، ولبنان، والصواريخ، وحقوق الإنسان، والملاحة في هرمز. لذلك لا يكفي أن يملك ترمب صلاحيات تنفيذية؛ بل يحتاج إلى رواية سياسية تقنع كتلة مؤثرة داخل الكونغرس بأن الاتفاق يخدم الأمن القومي الأمريكي. وإذا خسر هذه الرواية، فقد يتحول بند العقوبات من إنجاز تفاوضي إلى جبهة داخلية مفتوحة.
مجلس الأمن: حدود التعهد الأمريكي
في المسار الأممي، لا تملك الولايات المتحدة، حتى بصفتها عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، إنهاء عقوبات المجلس وحدها. يمكنها أن تقدم مشروع قرار، وأن تحشد، وأن تضغط، وأن تفاوض روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، غير أن النتيجة تبقى رهينة توازنات المجلس لا الإرادة الأمريكية المنفردة.
وتتضح أهمية هذا القيد لأن العقوبات الأممية، بعد عودتها عبر آلية العودة التلقائية، لم تعد تفصيلًا يمكن تجاوزه بتفاهم ثنائي. فرفعها يحتاج صياغة جديدة داخل مجلس الأمن، أو قرارًا يعيد تعليقها أو يستبدلها بآلية تحقق مختلفة. وهذا مسار لا تملكه واشنطن وحدها، خصوصًا إذا رأت فرنسا أو بريطانيا أن التفاهم لا يعالج الصواريخ، أو المخزون النووي، أو دور الحرس الثوري.
قد تميل روسيا والصين إلى تخفيف العقوبات عن إيران، لكن دعمهما لا يكفي وحده، وقد لا يكون مجانيًا. وقد تستخدمان الملف للمساومة مع الغرب في ملفات أخرى. في المقابل، ستتعامل فرنسا وبريطانيا، ومعهما ألمانيا سياسيًا ضمن المسار الأوروبي، مع الرفع الأممي بوصفه اختبارًا لجدية التحقق أولًا، لا مجرد ملحق لاتفاق أمريكي ـ إيراني.
لذلك تبدو الصياغة الواقعية أقرب إلى أن واشنطن «ستسعى» إلى إنهاء قرارات مجلس الأمن أو تعديلها ضمن مسار أممي، لا أنها «ستنهيها» مباشرة. والفارق هنا ليس لغويًا فحسب؛ إنه الفارق بين تعهد ممكن وتعهد يتجاوز سلطة الدولة الموقّعة.
أوروبا: شريك له منطقه الخاص لا تابع لواشنطن
يختلف موقع الاتحاد الأوروبي عن موقع الولايات المتحدة. فالعقوبات الأوروبية لا تعمل بالطريقة الأمريكية نفسها؛ إذ ليست عقوبات ثانوية شاملة تطارد كل شركة أجنبية في العالم، لكنها تضبط حركة البنوك الأوروبية، والأصول، والتأمين، والنقل، والطاقة، والتكنولوجيا، والتعامل مع الكيانات المدرجة.
وهذا الاختلاف يقلل من قيمة أي رفع أمريكي منفرد، من دون أن يلغي أهميته. صحيح أن تخفيف العقوبات الثانوية الأمريكية هو المفتاح الأكبر لعودة النفط والمال، لكن عودة الشركات الأوروبية الكبرى تحتاج يقينًا أوروبيًا أيضًا. فالشركة لا تنظر إلى الإعفاء الأمريكي فقط؛ بل تزن المخاطر القانونية، وسمعة التعامل، وقابلية التأمين، وخطر العودة السريعة للعقوبات.
لذلك يصبح إشراك أوروبا في صياغة الجدول التنفيذي شرطًا لنجاح البند. ولا يكفي أن تُبلغ واشنطن بروكسل بنتيجة تفاوضها مع طهران؛ بل يجب أن تحدد معها مسبقًا ما يمكن تخفيفه إذا تحقق تقدم نووي، وما سيبقى مرتبطًا بحقوق الإنسان، أو الحرس الثوري، أو دعم روسيا، أو تهديد الملاحة.
الوكالة الدولية: مفتاح الرفع لا ملحقه
لا ينبغي التعامل مع قرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بوصفها عقوبات اقتصادية؛ فهي ليست كذلك. غير أن قيمتها السياسية قد تفوق قيمة كثير من العقوبات، لأنها تحدد ما إذا كانت توجد أرضية فنية للدفاع عن الرفع. وقد أقر مجلس المحافظين في ١٠ حزيران/يونيو ٢٠٢٦ قرارًا يطالب إيران بإعلان مخزونها من اليورانيوم المخصب والسماح بالتحقق منه.
ومن هنا، لا يدور جوهر القضية حول نية إيران السياسية فقط، بل حول قدرة الوكالة الفعلية على الوصول إلى المواقع والمواد والوثائق. فإذا لم تقدم إيران إجابات قابلة للتحقق، سيصبح رفع العقوبات عبئًا سياسيًا على واشنطن وأوروبا. أما إذا تعاونت بسرعة، فيمكن للوكالة أن تمنح المسار غطاءً فنيًا يسمح بتخفيف تدريجي.
بهذا الدور، لا تكون الوكالة طرفًا ثانويًا في معادلة الرفع، بل الجهة التي تستطيع تحويل التعهد السياسي إلى مسار قابل للتصديق. ومع ذلك، لا يجوز المبالغة في دور واشنطن داخل الوكالة؛ تستطيع الولايات المتحدة الضغط والحشد وتخفيف نبرة القرارات، لكنها لا تستطيع استبدال التحقق الفني بقرار سياسي.
الحرس الثوري: معضلة الرفع الانتقائي
يبقى الحرس الثوري العقدة الأكثر حساسية في أي رفع للعقوبات. فالمشكلة لا تقف عند الإدراج القانوني، بل تمتد إلى حضوره الفعلي في الاقتصاد الإيراني. وقطاعات النفط واللوجستيات والموانئ والبناء والاتصالات والشركات الوسيطة لا تنفصل دائمًا بوضوح عن شبكات مرتبطة به أو بكيانات مدرجة.
إذا رُفعت العقوبات الاقتصادية العامة من دون آلية امتثال دقيقة، ستظهر مخاوف أمريكية وأوروبية من أن العائدات قد تقوّي الحرس وشبكاته. وإذا بقيت عقوبات الحرس قائمة مع فتح قطاعات الاقتصاد المدني، ستتردد الشركات في دخول سوق لا تستطيع فيه التمييز بسهولة بين المسموح والمحظور.
من هنا تتشكل معضلة الرفع الانتقائي: لا يمكن فتح الاقتصاد الإيراني بالكامل من دون معالجة حضور الحرس الثوري، ولا يمكن معالجة هذا الحضور بالكامل من دون الدخول في صلب توازنات السلطة الإيرانية الداخلية.
مقارنة معيارية باتفاق ٢٠١٥
من حيث اللغة السياسية، يبدو بند المذكرة محل التفاوض أوسع من اتفاق ٢٠١٥؛ فهو يستخدم تعبير «إنهاء جميع أشكال العقوبات»، ويأتي بعد تصعيد عسكري واقتصادي يسمح لترمب بتقديم نفسه بوصفه رئيسًا انتزع تنازلًا لا رئيسًا قدّم حافزًا مبكرًا.
غير أن الاتساع اللفظي لا يكفي وحده. فقد كان اتفاق ٢٠١٥ أصلب مؤسسيًا في نقطة مهمة: جرى ضمن إطار دولي واضح، وارتبط بقرار من مجلس الأمن، وجدول زمني، وآليات تحقق، وتنسيق أوسع مع الشركاء. أما مذكرة إدارة ترمب، إذا بقيت بصيغتها العامة، فقد تحمل لغة أقوى، لكنها ستظل محتاجة إلى هندسة تنفيذية كافية.
لذلك يكون الحكم الأدق أن المذكرة تتقدم في الخطاب التفاوضي، لكنها تحتاج إلى بناء مؤسسي مماثل حتى لا تصبح أضعف من اتفاق ٢٠١٥ عند التنفيذ. فالقوة لا تقيم في كلمة «إنهاء» وحدها، بل في الجدول الذي يترجمها.
خمس فجوات تهدد البند وأربع فرص يمكن البناء عليها
تبدأ الفجوة الأولى من التفسير: قد تعتبر إيران أن واشنطن التزمت بإنهاء شامل، بينما ترى واشنطن أنها التزمت بتفاوض على جدول زمني فقط. وإذا لم تُغلق هذه الفجوة مبكرًا، فقد تتحول إلى أزمة ثقة كاملة.
وتتصل الفجوة الثانية بالقانون: يستطيع الرئيس تعليق أثر عقوبات واسعة، لكنه لا يستطيع إلغاء عقوبات تشريعية أو أممية. ومن ثم، يصبح أي وعد غير مصنف بحسب السلطة المختصة وعدًا ناقصًا مهما بدا واسعًا.
أما الفجوة الثالثة فهي أوروبية: قد تتحرك واشنطن أسرع من بروكسل، فينشأ تفاوت بين الانفتاح الأمريكي العملي وبقاء الحذر الأوروبي القانوني والمالي.
وتزداد الفجوة الرابعة حساسية لأنها فنية: لا يستطيع ملف العقوبات التقدم بعيدًا إذا بقيت أسئلة الوكالة الدولية بلا إجابات. فالتخفيف الاقتصادي يحتاج غطاء تحقق، لا مجرد تفاهم سياسي.
وتبقى الفجوة الخامسة داخلية إيرانية: اقتصاد العقوبات لم يكن عبئًا على جميع الفاعلين. فقد استفادت منه شبكات محددة، وقد ترى في الانفتاح المنضبط تهديدًا لمواقعها المالية والسياسية.
في المقابل، تتيح الفرصة الأولى استخدام العقوبات سلّمًا تفاوضيًا متدرجًا: إعفاء نفطي مقابل فتح هرمز، وتراخيص مالية مقابل تحقق نووي، وتحرير أصول مشروط مقابل تعاون مع الوكالة، ومسار أممي مقابل تقرير فني إيجابي.
وتتمثل الفرصة الثانية في تحويل البند إلى آلية لبناء الثقة لا إلى مكافأة مجردة. فإذا قُسم الرفع إلى مراحل قابلة للقياس، تستطيع كل جهة اختبار الطرف الآخر من دون تقديم تنازل كامل دفعة واحدة.
أما الفرصة الثالثة، فهي أن يمنح البند واشنطن مساحة لإدارة السوق؛ إذ قد تخفض إشارة رئاسية مدروسة كلفة التأمين والشحن، وتفتح قنوات مدفوعات محدودة، من دون تفكيك البنية القانونية كلها.
وتقود الفرصة الرابعة إلى تنسيق غربي أكثر صرامة. فكلما وُضع جدول مشترك بين أوروبا وواشنطن قبل التوقيع النهائي، انخفض خطر أن يتحول الرفع الأمريكي إلى خطوة معزولة لا تتبعها الأسواق.
ثلاثة مسارات مرجحة
- تفكيك مرحلي منضبط
يتحقق هذا المسار إذا قبلت إيران بعودة سريعة للتفتيش، وقدمت بيانات واضحة عن مخزون اليورانيوم، وسمحت باستئناف الملاحة التجارية في هرمز، وخففت حضورها التصعيدي في لبنان وسوريا. وفي المقابل، يستخدم ترمب سلطاته التنفيذية لتقديم إعفاءات نفطية ومالية ملموسة، مع محاولة الحد من قدرة الكونغرس على تحويل الاتفاق إلى معركة داخلية كاسرة.
وتُقاس قابلية هذا المسار عبر ارتفاع صادرات النفط الإيرانية المسجلة رسميًا، وانخفاض كلفة التأمين على الناقلات، وبدء عمل قنوات مالية محددة من دون عرقلة أوروبية. أما أثره المتوقع، فهو تخفيف اقتصادي ملموس لا رفع كامل؛ فأوروبا لا تلحق بالكامل لكنها لا تعرقل، والوكالة تمنح غطاءً فنيًا تدريجيًا. ويمتد أفقه الزمني من شهرين إلى ستة أشهر.
تخفيف محدود وانقسام غربي
في هذا المسار، تقدم واشنطن إعفاءات محدودة، خصوصًا في النفط والتأمين، لكن الكونغرس يضغط، وأوروبا تبقى متحفظة، والوكالة لا تحصل على كل ما تحتاجه. عندها ترى إيران أن الرفع أقل من وعد «الإنهاء»، بينما ترى واشنطن أن إيران لم تقدم ما يكفي. وبذلك لا ينهار الاتفاق، لكنه يبقى معلّقًا بين تهدئة مؤقتة ومساومة شاقة.
وتظهر علامة هذا المسار في استمرار الصادرات ضمن سقوف سياسية غير معلنة، وتردد البنوك الكبرى، وبقاء قرارات مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي موضع تفاوض. ويظل هذا المسار هو الأرجح لأنه يجمع بين رغبة الطرفين في تجنب الانهيار، وعجزهما عن تسليم رفع كامل سريعًا. ويمتد أفقه الزمني من ثلاثة إلى اثني عشر شهرًا.
انهيار البند وعودة منطق الحرب الاقتصادية
يتحقق هذا المسار إذا أصرت إيران على رفع شامل وسريع، ورفض الكونغرس أو أوروبا ذلك، أو تعثرت الوكالة في التحقق، أو حدث تصعيد إسرائيلي ـ إيراني أو لبناني يعيد منطق الأمن إلى واجهة القرار.
وتظهر علامة هذا المسار عند توقف الإحاطات التقنية بين الوكالة وطهران، أو صدور قرار كونغرسي يقيّد الإعفاءات، أو عودة التصعيد في هرمز. عندها يتحول البند إلى مصدر اتهام متبادل: إيران ترى أن واشنطن خدعتها بلغة كبيرة بلا تنفيذ، وواشنطن ترى أن إيران طلبت المكافأة قبل الامتثال، فيما تعود أوروبا إلى التشدد. ويمتد أفقه الزمني من ستين يومًا إلى ستة أشهر إذا لم يظهر جدول واضح في الأسابيع الأولى بعد التوقيع.
الترجيح: لماذا التخفيف المحدود هو خط الأساس
يرجح هذا التقدير المسار الثاني خطًا أساسيًا؛ لأنه الأقرب إلى محصلة القيود المؤسسية. فقانون إنارا يمنح الكونغرس قدرة استنزاف لا قدرة إلغاء فورية، وهذا النمط ينتج تآكلًا تدريجيًا للزخم لا انفجارًا حادًا بالضرورة.
إلى ذلك، لن يتحرك الاتحاد الأوروبي، بعد إعادة فرض العقوبات رسميًا في أيلول/سبتمبر ٢٠٢٥، بالسرعة التي يفترضها أي تفاهم أمريكي ـ إيراني ثنائي. كما أن الوكالة الدولية، بقرارها الصادر في حزيران/يونيو ٢٠٢٦، تضع عتبة تحقق تحتاج إلى أشهر لا أيام. أما الشركات والبنوك، فستختبر قابلية الرفع للاستمرار قبل العودة إلى السوق الإيرانية.
بناءً على ذلك، يبدو المسار الأول، رغم أنه الأفضل نتيجة، مرهونًا بتزامن غير مرجح: تعاون إيراني سريع، وانضباط كونغرسي، وتغطية أوروبية، وتقرير فني مطمئن، وهدوء إقليمي. أما المسار الثالث فيبقى خطرًا قائمًا إذا انهارت الثقة، لكنه ليس خط الأساس لأن الطرفين يملكان مصلحة مباشرة في منع العودة السريعة إلى الحرب الاقتصادية.
ما يلزم لتحويل الوعد إلى جدول قابل للتنفيذ
١ ـ تحويل البند من وعد عام إلى خريطة عقوبات مفصلة. خلال الأسابيع الأولى بعد اعتماد المذكرة، ينبغي إعداد ملحق تنفيذي يقسم العقوبات إلى ست سلال: أمريكية تنفيذية، أمريكية تشريعية، أممية، أوروبية، حقوقية، وفنية مرتبطة بالوكالة. وتقود هذا العمل خلية تفاوض مشتركة تضم البيت الأبيض، ووزارة الخزانة، ووزارة الخارجية، مع قناة موازية للاتحاد الأوروبي. قد يبطئ ذلك إيقاع الإعلان الأولي، لكنه يقلل خطرًا أكبر: وعد واسع ينهار عند أول اختبار تفصيلي.
٢ ـ اعتماد لغة قانونية قابلة للتنفيذ. عند صياغة الالتزامات التشريعية، تحتاج واشنطن إلى عبارات منضبطة مثل «وقف التطبيق»، و«الإعفاء المتجدد»، و«الترخيص العام»، بدل الإصرار على لفظ «إنهاء» في مواضع لا تملك السلطة التنفيذية إنهاءها. ويكمن الخطر في أن ترى طهران هذه اللغة الدقيقة تراجعًا عن الوعد. لذلك يكون البديل الاحتياطي هو ربط كل صيغة قانونية بأثر اقتصادي ملموس، حتى لا تبدو مجرد مناورة لفظية.
٣ ـ جعل الوكالة الدولية بوابة التخفيف الكبرى. لا تحصل إيران على تخفيف واسع قبل إعادة بناء مسار التحقق، لكن يمكن تقديم حوافز أولية محدودة فور استئناف التعاون الفني. وتبقى الجهة الفنية هي الوكالة، بينما يظل القرار السياسي لدى الدول الضامنة، ومجلس الأمن، والاتحاد الأوروبي بحسب سلة العقوبات. وقد يؤخر هذا بعض المكاسب الاقتصادية، كما قد يدفع إيران إلى رفض تأخير الحافز؛ أما البديل، فهو حافز صغير قابل للعكس خلال ثلاثين يومًا.
٤ ـ فصل القطاعات المدنية عن شبكات الحرس الثوري. على واشنطن وأوروبا بناء آلية امتثال واضحة، تشمل قطاعات مباحة، وبنوكًا وسيطة، وقوائم للكيانات المحظورة، وتدقيقًا مسبقًا في ملكية الشركات. وستكون الكلفة عالية على الشركات والإدارات الرقابية، لكن غياب هذه الآلية سيمنع الاستثمار الجاد. والبديل الاحتياطي هو فتح قطاعات محدودة، مثل الغذاء والدواء وبعض خدمات النقل، قبل الانتقال إلى الطاقة والبنية التحتية.
٥ ـ إشراك أوروبا قبل توقيع الاتفاق النهائي لا بعده. يحتاج المسار إلى قناة موازية مع بروكسل وباريس وبرلين ولندن لتحديد ما يمكن تخفيفه أوروبيًا إذا تحقق تقدم نووي، وما سيبقى منفصلًا بسبب حقوق الإنسان أو دعم روسيا أو إدراجات الحرس الثوري. وقد يوسع ذلك طاولة التفاوض، وربما يفتح الباب أمام شروط أوروبية أوسع. أما البديل، فهو إعلان أمريكي ـ أوروبي مشترك بمصفوفة مبادئ حتى لو تعذر الاتفاق الكامل.
٦ ـ إدارة الكونغرس بالرواية لا بالإجراءات فقط. يحتاج ترمب إلى رواية سياسية تقدم المذكرة بوصفها تفكيكًا مشروطًا للعقوبات مقابل تحقق وملاحة وتهدئة إقليمية، لا مكافأة مجانية لإيران. وتبدأ الإحاطات قبل التوقيع النهائي، ثم تتكرر مع كل تقرير امتثال. وهذا يتطلب وقتًا سياسيًا رئاسيًا مرتفعًا؛ أما خطر تجاهله، فهو أن يتحول كل إعفاء نفطي إلى مادة هجوم داخلية.
٧ ـ ربط التخفيف الاقتصادي بسلوك إقليمي قابل للقياس. ينبغي أن يتضمن الجدول مؤشرات أمنية محددة: حرية الملاحة في هرمز، وخفض الهجمات عبر الوكلاء، والامتناع عن خطوات تعرقل التحقق، ومراجعة دورية كل ثلاثين يومًا. وسيزيد ذلك التعقيد التفاوضي، غير أن غيابه قد يفتح خطرًا معاكسًا: إما ربط فضفاض يشل الاتفاق، أو فصل كامل بين الملف الإقليمي والملف النووي. والبديل هو اعتماد مؤشرات محدودة قابلة للتعديل كل ثلاثة أشهر.
حكم تركيبي: القوة في الجدول لا في الكلمة
يكشف بند إنهاء العقوبات عن جوهر المذكرة الأمريكية ـ الإيرانية كاملة. فهو ليس ملحقًا اقتصاديًا هامشيًا، بل اختبار لقدرة الطرفين على تحويل وقف التصعيد إلى تسوية قابلة للإدارة. ومن ثم، إذا بقي البند وعدًا عامًا، فقد يفتح بابًا للخلاف أكثر مما يفتح بابًا للأسواق.
ولا يتوقف نجاح البند على اتساع الصياغة وحدها، بل على صرامة الجدول الذي يترجمها. فإذا تحول «إنهاء العقوبات» إلى خريطة تحدد من يرفع ماذا، ومتى، وبأي شرط، وبأي أداة قانونية، أصبح البند فرصة لتغيير وظيفة العقوبات من عقاب مفتوح إلى حافز مشروط. أما إذا بقي كلمة واسعة بلا هندسة قانونية، فقد يصبح أول موضع لانهيار الثقة.
وعليه، يخلص التقدير إلى أن ترمب قادر على إنتاج أثر اقتصادي سريع يشبه رفع العقوبات، عبر فتح سوق النفط، وخفض أثر العقوبات الثانوية، ومنح البنوك إشارة امتثال أولية. غير أن هذه القدرة العملية لا تعني امتلاكه، منفردًا، سلطة إنهاء البنية القانونية الكاملة للعقوبات. وبين القدرة العملية والعجز القانوني ستُحسم قيمة البند: ليس بما وعد به، بل بما يستطيع جدول التنفيذ إثباته.
مراجع .





































