حرب إيران في المزاج الأميركي: سلام بلا اقتناع
لا تكشف استطلاعات الرأي الأميركية الأخيرة أزمة شعبية عابرة لإدارة ترامب، بل تكشف مأزقًا أعمق في تعريف النجاح بعد الحرب. فالجمهور لا يمنح الحرب مع إيران حكم الجدارة، ولا يمنح مذكرة التفاهم التي أنهتها ثقة كافية كي تتحول إلى إنجاز سياسي مستقر. هنا تتشكل الكلفة الحقيقية: ليست في أن الحرب استمرت، ولا في أن الهدنة وُقّعت، بل في أن النهاية جاءت أضعف من أن تبرر البداية.
يقوم السؤال المركزي في هذا التعليق على مفارقة محددة: كيف يستطيع رئيس أن يعلن نهاية الحرب، بينما يظل الرأي العام غير مقتنع بأن الحرب كانت لازمة أو أن السلام الناتج عنها سيصمد؟ الفرضية التي يختبرها النص أن إدارة ترامب لا تواجه رفضًا للحرب وحدها، بل تواجه فجوة بين ثلاثة مستويات: جدارة القرار العسكري، وتوزيع المكاسب في التسوية، وقدرة الرئيس على احتكار رواية النجاح داخل حزبه والكونغرس. هذه الفجوة هي ما يحوّل الهدنة من مكسب دعائي سريع إلى اختبار سياسي مفتوح.
سؤال الجدارة: حين لا تكفي النهاية لتبرير البداية
أظهر استطلاع رويترز/إبسوس أن ٢٤٪ فقط من الأميركيين رأوا أن الحرب مع إيران كانت تستحق كلفتها، في مقابل نصف العينة تقريبًا قالوا إنها لم تكن تستحق ذلك. كما رأى ٢٣٪ فقط أن موقع الولايات المتحدة تجاه إيران أصبح أقوى بعد الحرب، بينما قال ٣٥٪ إنه أصبح أضعف. لا تقيس هذه الأرقام تفصيلًا تفاوضيًا معزولًا، بل تكشف حكمًا عامًا على العائد السياسي والاستراتيجي من الحرب: أغلبية واسعة لا ترى أن الكلفة أنتجت موقعًا أميركيًا أقوى.
هذا الحكم مهم لأن الإدارات لا تحتاج، بعد الحروب القصيرة، إلى إجماع شعبي كامل كي تستثمر سياسيًا في النتيجة. يكفيها عادة أن تقنع جمهورًا واسعًا بأن المخاطرة كانت ضرورية، أو أن النتيجة أغلقت خطرًا أكبر. في حالة إيران، لا يبدو أن أيًا من المسارين تحقق. فالذين يرفضون الحرب لا يعترضون فقط على ثمنها، بل يشككون في أثرها. والذين لا يحسمون موقفهم لا يمنحون البيت الأبيض كتلة ثقة صامتة، بل يتركونه في منطقة رمادية لا تصلح لبناء انتصار انتخابي واضح.
النقطة الأكثر حساسية أن هذا المزاج لا يعني بالضرورة رغبة في استمرار المواجهة. كثير من الأميركيين قد يريدون وقف الحرب، لكنهم يرفضون تحويل وقفها إلى دليل على صحة قرارها. هذا الفصل بين إنهاء النزيف وتبرير فتح الجرح هو ما يصعّب مهمة الإدارة. فالرئيس يستطيع أن يقول إن الحرب توقفت، لكنه لا يستطيع أن يثبت، بمجرد توقفها، أنها كانت الطريق الأقل كلفة أو الأعلى عائدًا.
|
سلام مشكوك فيه لا انتصار مكتمل
تتغير قراءة المشهد جذريًا عند تصحيح دلالة استطلاع رويترز/إبسوس. فالنص الأصلي للمعطيات لا يقول إن أغلبية الأميركيين تتوقع صمود السلام، بل يقول إن ٦٣٪ يرون أن مذكرة التفاهم غير مرجحة أن تقود إلى سلام دائم، وأن ١٨٪ فقط يرون السلام الدائم مرجحًا. هذا الفارق ليس تفصيلًا إحصائيًا، بل قلب التحليل كله. فلو وثق الجمهور في صمود الهدنة، لكان رفض الحرب أقل خطرًا على الإدارة؛ إذ تستطيع حينها القول إن النتيجة عوّضت الكلفة. أما حين يرفض الجمهور الكلفة ويشك في النتيجة، فإن الإدارة تخسر الحجة التعويضية التي تحتاجها بعد كل استخدام للقوة.
بهذا المعنى، لا تواجه مذكرة التفاهم مشكلة قبول مبدئي فقط، بل مشكلة تصديق سياسي. الجمهور قد يقبل وقف العمليات لأنه يقلل الخسائر ويفتح باب تراجع الأسعار، لكنه لا يساوي بين الوقف والنجاح. فالاتفاق الذي لا يُقرأ بوصفه سلامًا دائمًا يبقى هدنة اختبار، والهدنة التي تحتاج إلى اختبار طويل لا تمنح الرئيس رصيدًا فوريًا إلا بقدر محدود.
هذا يفسر لماذا تبدو لغة البيت الأبيض أقل قدرة على تثبيت السردية. إعلان النهاية يمنح صورة، لكنه لا يمنح يقينًا. واليقين هنا لا يتعلق فقط بسلوك إيران في الأيام التالية للتوقيع، بل يتعلق بما إذا كانت الحرب قد غيّرت بنية التهديد أصلًا: البرنامج النووي، الصواريخ، النفوذ الإقليمي، وأدوات الضغط في الخليج وشرق المتوسط. كلما بقيت هذه الملفات مفتوحة، بقيت الحرب قابلة لأن تُقرأ بوصفها جولة مكلفة لا تحولًا استراتيجيًا.
|
اتفاق يريده الجمهور ولا يثق في رصيده الأميركي
يضيف استطلاع سي بي إس/يوغوف طبقة أكثر تركيبًا. فالأميركيون يريدون نهاية الحرب بأغلبية واضحة، لكنهم لا يمنحون الاتفاق حكم المكسب الأميركي الصافي. تشير نتائج الاستطلاع، كما نُشرت، إلى أن ٧٨٪ يؤيدون إنهاء الصراع، بينما رأى ٣٧٪ أن الاتفاق كان أفضل لإيران، مقابل ٢٢٪ فقط رأوه أفضل للولايات المتحدة. هنا لا تقف المشكلة عند الرغبة في السلام، بل عند توزيع الفضل والمكاسب داخله.
هذا النوع من الأرقام يضع البيت الأبيض أمام مأزق سردي صعب. فالجمهور لا يعاقب الرئيس لأنه أنهى الحرب، بل لأنه لا يرى أن النهاية جاءت بشروط أميركية مقنعة. وهذه منطقة أضيق من الرفض المطلق وأشد تعقيدًا منه. الرفض المطلق يسمح للرئيس بتعبئة أنصاره ضد «معسكر الحرب» أو «معسكر الاستسلام»، أما التأييد المشروط لإنهاء الحرب مع الاعتقاد بأن الطرف الآخر استفاد أكثر، فيسحب من الرئيس خطاب النصر من دون أن يمنحه خطاب الضحية.
تبدو دلالة سي بي إس أكثر أثرًا عند ربطها بالاقتصاد. فجزء من الرأي العام يربط نهاية الحرب باحتمال انخفاض أسعار الوقود وتراجع اضطراب الأسواق. غير أن الارتياح الاقتصادي لا يكفي وحده لتثبيت شرعية استراتيجية. قد يفرح المستهلك بتراجع السعر، لكنه لا يحوّل ذلك تلقائيًا إلى اعتقاد بأن الحرب كانت صائبة. لذلك يمكن أن يستفيد ترامب مؤقتًا من هدوء النفط، من دون أن يحصل على مكافأة سياسية كاملة إذا ظل الاتفاق موضع شك.
وتظهر داخل القاعدة الجمهورية نفسها مفارقة إضافية. فالانتماء الحزبي يرفع عادة الاستعداد لتصديق الرئيس في قضايا الأمن القومي، لكنه لا يلغي أثر التفاصيل عندما تبدو التسوية أقل من الوعود الأصلية. كلما دخلت تفاصيل الاتفاق إلى النقاش، تراجعت قابلية تحويل الولاء إلى ثقة غير مشروطة. وهذا ما يفسر لماذا لا يستطيع البيت الأبيض الاكتفاء بإعلان أن الحرب انتهت؛ عليه أن يثبت أن ما انتهت إليه الحرب أقوى من البديل الذي كان متاحًا قبلها.
|
حدود الاستطلاع وحدود الحكم
لا تسمح هذه الأرقام بالقول إن الرأي العام الأميركي كوّن موقفًا نهائيًا من كل بند في مذكرة التفاهم. الاستطلاعات تقيس المزاج في لحظة قريبة من التوقيع، لا أثر الاتفاق بعد اختبار طويل. لكنها، في المقابل، تكشف نقطة بداية سياسية غير مريحة للإدارة: الجمهور يدخل مرحلة ما بعد الحرب من موقع الشك لا من موقع التفويض. وهذا الفارق شديد الأهمية لأن الاتفاقات الهشة تحتاج، في بدايتها، إلى احتياطي ثقة يساعدها على امتصاص الخروقات والتأويلات الأولى.
كما أن الاستطلاعات لا تلغي أثر الانقسام الحزبي. الديمقراطيون أكثر استعدادًا لرفض حرب ترامب من حيث المبدأ، والجمهوريون أكثر استعدادًا لمنحه هامش ثقة. غير أن قوة هذه النتائج تأتي من أنها لا تقف عند الانقسام التقليدي. حين تكون نسبة الذين يرون الحرب غير جديرة أعلى بكثير من الذين يرونها جديرة، وحين يرى جزء معتبر من الجمهور أن إيران استفادت أكثر، فإن المسألة تتجاوز الاستقطاب المعتاد إلى سؤال أوسع عن كفاءة القرار.
لذلك يجب قراءة الأرقام بوصفها إنذارًا سياسيًا لا حكمًا نهائيًا. الإنذار يقول إن الإدارة لا تبدأ معركتها بعد الهدنة من أرض صلبة. عليها أن تنتج أدلة لاحقة: انخفاضًا ملموسًا في الكلفة، آلية تحقق مفهومة، وتفسيرًا مقنعًا لما حصلت عليه واشنطن مقابل ما قدّمته. من دون هذه الأدلة، ستبقى الأرقام الأولى قابلة لأن تتحول إلى ذاكرة سياسية ثابتة لا مجرد لقطة استطلاعية عابرة.
مجلس الشيوخ: رمزية بلا إلزام، لكنها تقييد للسردية
جاء تصويت مجلس الشيوخ في ٢٣ حزيران/يونيو ٢٠٢٦ ليعطي هذه الكلفة شكلًا مؤسسيًا. فقد مرّر المجلس قرارًا يستند إلى صلاحيات الحرب بأغلبية ٥٠ مقابل ٤٨، مع انضمام أربعة جمهوريين إلى الديمقراطيين: بيل كاسيدي، وسوزان كولينز، وليزا موركوسكي، وراند بول. وصوّت الديمقراطي جون فيترمان ضد القرار، فيما غاب الجمهوريان ميتش ماكونيل وديف مكورميك. القيمة القانونية المباشرة لهذا النوع من القرارات محدودة ومحل جدل، لكن قيمته السياسية أوضح: الكونغرس، بما فيه جزء من الحزب الجمهوري، لم يترك للرئيس وحده سلطة تعريف ما حدث.
لا يعني ذلك أن مجلس الشيوخ أوقف الحرب عمليًا، أو أن القرار سينقل مركز القرار من البيت الأبيض إلى الكونغرس دفعة واحدة. وظيفة التصويت مختلفة. إنه يسجل اعتراضًا منخفض الكلفة، لكنه عالي الدلالة. يسمح لأعضاء المجلس بأن يقولوا إنهم لا يوافقون على استمرار استخدام القوة من دون تفويض واضح، من غير أن يدخلوا فورًا في معركة دستورية كاملة مع الرئيس. هذه المسافة بين الرمزية والإلزام هي جوهر أثر التصويت: لا يغيّر الميدان، لكنه يغيّر البيئة السياسية التي تُقرأ فيها الحرب.
الأسماء الأربعة الجمهورية مهمة لأنها لا تمثل جناحًا واحدًا متماسكًا. راند بول يحمل اعتراضًا طويلًا على توسع السلطة التنفيذية في مسائل الحرب. كولينز وموركوسكي تميلان إلى مسافة أوسع عن الانضباط الحزبي الصارم. كاسيدي، في هذا التصويت، أضاف إشارة إلى أن الاعتراض لا يقتصر على المعتادين دائمًا على الانفصال عن ترامب. لذلك لا يجوز تضخيم التصويت كأنه انقلاب تشريعي، ولا التقليل منه كأنه تفصيل إجرائي. قيمته أنه يحوّل التململ إلى رقم رسمي داخل مؤسسة اتحادية.
ويتضاعف أثر التصويت لأنه جاء بعد توقيع مذكرة التفاهم لا قبلها فقط. لو صدر أثناء العمليات العسكرية وحدها، لكان ممكنًا تفسيره باعتباره اعتراضًا على استمرار الحرب. أما صدوره في لحظة إعلان التهدئة، فيجعله اعتراضًا على احتكار السلطة التنفيذية لصلاحيات البدء والنهاية معًا. بهذا المعنى، لم يكن التصويت سؤالًا عن الحرب وحدها، بل عن من يملك حق القول إن الحرب انتهت بنجاح.
|
من كلفة الحرب إلى كلفة الرواية
تتداخل استطلاعات الرأي والتصويت داخل معادلة واحدة: إدارة ترامب لا تواجه حدثًا منفردًا، بل تراكمًا من مؤشرات متوسطة الحدة. استطلاع يقول إن الحرب لم تكن تستحق كلفتها. استطلاع آخر يقول إن الاتفاق مرغوب بوصفه نهاية للصراع، لكنه لا يُقرأ بوصفه مكسبًا أميركيًا راجحًا. وتصويت في مجلس الشيوخ يقول إن الاعتراض على المسار لا يأتي من الديمقراطيين وحدهم. كل مؤشر وحده قابل للتفسير أو الاحتواء، لكن اجتماعها يصنع ضغطًا لا يختفي بمجرد انتقال العناوين إلى ملف آخر.
هذه هي كلفة الرواية لا كلفة القرار فقط. فالرئيس يستطيع أن يملك أدوات القرار التنفيذي، وأن يوقّع مذكرة تفاهم، وأن يعلن خفض التصعيد. لكنه لا يملك وحده الطريقة التي يترجم بها الجمهور والكونغرس تلك الوقائع إلى معنى سياسي. إذا رأى الجمهور أن الحرب غير جديرة، وأن الاتفاق هش، وأن إيران استفادت أكثر، فلن تكفي صورة التوقيع لصناعة انتصار مستقر.
تزداد حساسية هذه الكلفة في سنة انتخابية. السياسة الخارجية لا تكون عادة الملف الأول للناخب الأميركي، لكن الحرب تصبح داخلية عندما تمس الأسعار، والضرائب، وصورة القيادة، وثقة الجمهور في استخدام القوة. لذلك لا يحتاج ملف إيران إلى أن يحتل كل النقاش العام كي يؤثر في موقع الرئيس؛ يكفي أن يصبح دليلًا إضافيًا لدى المترددين على أن الإدارة تتحرك بكلفة عالية وعائد غير مضمون.
ولا يعني ذلك أن الخسارة السياسية نهائية. ما زالت لدى البيت الأبيض مساحة لإعادة بناء جزء من الرواية إذا صمدت الهدنة، وتراجعت أسعار الوقود، وبدأ مسار تفصيلي قابل للفحص بشأن البرنامج النووي والصواريخ وسلوك إيران الإقليمي. لكن هذه المساحة مشروطة بالفعل لا بالخطاب. فالرأي العام الذي لم يقتنع بالجدارة لن يتراجع عن حكمه بمجرد تكرار مفردة «النصر»؛ سيحتاج إلى مؤشرات متراكمة على أن الاتفاق أنتج أمنًا أكثر وكلفة أقل.
|
الحكم التركيبي
تفضي المعطيات إلى حكم محدد: أزمة ترامب ليست أن الأميركيين يريدون استمرار الحرب أو يرفضون السلام، بل أنهم يريدون وقف الحرب من دون أن يمنحوا الحرب نفسها شرعية لاحقة. يريدون النهاية، لكنهم لا يرونها انتصارًا كافيًا. وهذا الفرق هو ما يجعل مذكرة التفاهم أقل من رصيد سياسي مضمون وأكثر من استراحة مؤقتة في معركة السردية.
إذا صمدت مذكرة التفاهم، وانخفضت كلفة الطاقة، وظهرت آلية تحقق مقنعة في الملفات النووية والصاروخية والإقليمية، فقد يتحول الشك إلى قبول بطيء. عندها ستتمكن الإدارة من القول إن الحرب، رغم كلفتها، فتحت مسارًا لم يكن متاحًا قبلها. أما إذا بقي الاتفاق إطارًا عامًا مفتوحًا على الخلافات، أو عادت طهران وواشنطن إلى اختبار القوة بالوكالة أو بالتصريحات أو بتعثر التفتيش، فستصبح الحرب مثالًا على قرار عسكري لم ينتج تسوية تضاهي كلفته.
لذلك لا تُقاس المرحلة المقبلة بعبارة «انتهت الحرب» وحدها. المقياس الأدق هو قدرة الإدارة على تحويل نهاية العمليات إلى بنية سلام قابلة للتصديق. ما لم يحدث ذلك، سيظل السؤال الأميركي مفتوحًا: لماذا دُفعت كلفة الحرب إذا كان السلام الناتج عنها هشًا، وإذا كان الطرف الآخر يبدو في نظر جمهور واسع أكثر استفادة من الولايات المتحدة؟
|
- مصادر الوقائع: استطلاع رويترز/إبسوس المنشور في ٢٣ حزيران/يونيو ٢٠٢٦؛ صفحة إبسوس الخاصة بنتائج استطلاع ١٨-٢٢ حزيران/يونيو ٢٠٢٦؛ استطلاع سي بي إس/يوغوف المنشور في ٢١ حزيران/يونيو ٢٠٢٦؛ نتائج تصويت مجلس الشيوخ الأميركي في ٢٣ حزيران/يونيو ٢٠٢٦ بشأن صلاحيات الحرب؛ تغطيات رويترز والغارديان والجزيرة ذات الصلة بمذكرة التفاهم والتصويت.




































