- الليزر في سماء الخليج: اقتصاد الاعتراض وحدود الردع منخفض الكلفة
- قراءة في دلالات انتقال أسلحة الطاقة الموجهة من هامش التجريب إلى طبقة دفاعية ناشئة، وما يفرضه ذلك على التكامل والسيادة على البيانات في منظومات الدفاع الجوي الخليجية
- إقفال البيانات: ٢٨ أيار/مايو ٢٠٢٦
تتعامل هذه القراءة مع التسارع الخليجي نحو أسلحة الليزر بوصفه انتقالًا في اقتصاد الدفاع الجوي، لا مجرد إدخال أداة تقنية جديدة إلى ترسانة قائمة. فقد جعلت موجات المسيّرات الرخيصة سؤال الكلفة جزءًا من سؤال الردع: كيف تُحمى المنشآت والقواعد والموانئ من تهديدات منخفضة الثمن من دون استنزاف مخزون الاعتراض الصاروخي؟ غير أن الليزر لا يقدّم جوابًا كاملًا؛ فهو سلاح خطّ بصر، شديد الحساسية للرطوبة والغبار وزمن التعرض وكثافة الأهداف. لذلك تكمن قيمته في دمجه داخل منظومة دفاعية متعددة الطبقات، لا في التعامل معه بديلًا عن الصواريخ أو الحرب الإلكترونية أو الإنذار المبكر. وتخلص الورقة إلى أن معيار النجاح الخليجي لن يكون امتلاك المنصة الأحدث، بل بناء عقيدة تشغيلية تحمي السيادة على البيانات وتمنع تحوّل تعدد الموردين إلى هشاشة بنيوية.
تمهيد: لماذا لم يعد الليزر تفصيلًا تقنيًا؟
تقدّم أسلحة الطاقة الموجهة نفسها في الخليج من بوابة عملية ضيقة ظاهرًا: اعتراض المسيّرات. لكن المسألة، عند فحصها في سياقها الدفاعي والسياسي الأوسع، تتجاوز سؤال الاعتراض إلى سؤال أعمق يتعلق بكيفية إدارة الاستنزاف في بيئة أمنية مزدحمة بالتهديدات منخفضة الكلفة. ففي لحظة تتسع فيها قدرة الفاعلين الدولتيين وغير الدولتيين على إنتاج مسيّرات أو تشغيلها بكثافة، يصبح استخدام صاروخ باهظ لاعتراض هدف رخيص خللًا لا يمكن احتماله طويلًا من زاوية الميزانية والمخزون والجاهزية.
من هنا، لا ينبغي النظر إلى الليزر كاستعراض تكنولوجي أو كبديل سحري لمنظومات الدفاع الجوي التقليدية. الأصح أنه طبقة جديدة تحاول معالجة فجوة محددة: كلفة الاعتراض المتكرر ضد أهداف منخفضة القيمة وسريعة التكرار. وإذا كان الدفاع الجوي الخليجي قد بُني تاريخيًا حول الصواريخ والرادارات والاعتماد على المظلة الأمريكية، فإن صعود المسيّرات دفعه إلى اختبار منطق آخر: ليس كل هدف يستحق الصاروخ نفسه، وليس كل تهديد ينبغي أن يعالَج بالأداة الأغلى.
هذه الورقة لا تفترض أن الليزر حسم معادلة الردع، بل تقدّر أنه فتح فصلًا جديدًا في اقتصادها. فالمعادلة الناشئة لا تسأل: هل ينجح الليزر في إسقاط هدف؟ بل تسأل: متى يكون استخدامه عقلانيًا؟ ومتى يتحول الاعتماد عليه إلى ثغرة؟ ومن يملك بيانات التشغيل والتحديث والتكامل حين تكون المنظومة متصلة بشبكات قيادة وسيطرة ذات حساسية عالية؟
أولًا: من اختبار التقنية إلى اختبار الاقتصاد الدفاعي
قبل موجات التصعيد الأخيرة، بقيت أسلحة الليزر في معظم الأدبيات الدفاعية عند تخوم الوعد التقني. كانت حاضرة في المعارض العسكرية، وفي برامج البحث، وفي نقاشات جيوش كبرى تبحث عن وسيلة أقل كلفة لاعتراض تهديدات صغيرة. لكن الحروب لا تختبر التكنولوجيا وحدها؛ إنها تختبر اقتصاد استخدامها. وهذا ما جعل المسيّرات الرخيصة تحديًا مضاعفًا: فهي لا تهدد الهدف الذي تضربه فحسب، بل ترهق منظومة الدفاع وهي تحاول إسقاطها.
تؤكد تجربة DragonFire البريطانية هذه النقطة بوضوح. فقد أعلنت وزارة الدفاع البريطانية، في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٥، نجاح المنظومة في إسقاط مسيّرات عالية السرعة خلال تجارب ميدانية، مع الإشارة إلى تكلفة تشغيلية للطلقة تقارب عشرة جنيهات إسترلينية، مقارنةً بتكاليف اعتراض صاروخية قد تصل إلى مئات الآلاف من الجنيهات [1]. لا تعني هذه المقارنة أن الكلفة الكلية للمنظومة تصبح هامشية، لكنها تكشف التحول الحقيقي: حين تتكرر موجات الأهداف الصغيرة، تصبح كلفة كل اعتراض جزءًا من صمود الدفاع لا مجرد بند محاسبي.
في الخليج، تكتسب هذه الحجة وزنًا أكبر بسبب طبيعة الأهداف المراد حمايتها: منشآت طاقة، موانئ، مطارات، قواعد عسكرية، ومراكز قيادة. هذه أهداف ثابتة أو شبه ثابتة، أي إنها أكثر قابلية للدفاع النقطي. لذلك يبدو الليزر مناسبًا لمعالجة جزء من التهديدات حولها، خاصة عندما تكون المسيّرات بطيئة نسبيًا، منخفضة الارتفاع، ومكشوفة لخط البصر. لكنه يصبح أقل ملاءمة حين ينتقل التهديد إلى صواريخ باليستية، أو صواريخ جوالة معقدة، أو أسراب كثيفة تعمل في ظروف جوية غير مواتية.
بهذا المعنى، يحوّل الليزر النقاش من ثنائية «ينجح أو يفشل» إلى معادلة توزيع أدوار. فنجاحه الحقيقي لا يظهر في إسقاط هدف منفرد، بل في تحرير الصواريخ الأغلى للتهديدات الأعلى خطورة، وفي إطالة عمر مخزون الاعتراض، وفي تخفيض العبء المالي على الدفاعات خلال موجات الاستنزاف الطويلة.
وتتضح أهمية هذا التحول حين يُقرأ من زاوية إدارة دورة الاعتراض لا من زاوية سعر الطلقة وحده. فالدولة لا تشتري شعاعًا، بل تشتري قدرة مستمرة على اتخاذ قرار سريع: هل يُترك الهدف للتشويش، أم يُعالج بالليزر، أم يُرفع إلى طبقة صاروخية أعلى؟ هذه الدورة هي جوهر الاقتصاد الدفاعي الجديد؛ لأنها تمنع استخدام الأداة الأغلى في كل مرة، وتُبقي الصواريخ الأعلى كلفة للتهديدات التي لا يحتمل التعامل معها بسلاح محدود المدى أو شديد التأثر بالطقس. لذلك لا يكفي القول إن الليزر يخفض الكلفة؛ الأدق أنه يعيد ترتيب سلّم الكلفة داخل المنظومة الدفاعية، ويحوّل الاعتراض من رد فعل آلي إلى قرار موزون بين الخطر والوقت والطقس والمخزون.
ثانيًا: الخليج وسؤال تعدد الموردين
يبدو التسارع الخليجي نحو أسلحة الليزر جزءًا من نمط أوسع في سياسات التسليح: تنويع الموردين بدل الارتهان لمصدر واحد. غير أن الليزر، خلافًا لكثير من المنصات التقليدية، ليس قطعة منفصلة يمكن إدخالها بسهولة في المخزون. فهو يعمل ضمن شبكة استشعار وتتبع وتقييم قرار، ويتطلب اتصالًا بمنظومة قيادة وسيطرة، ويحتاج إلى تحديثات برمجية واختبارات بيئية وبيانات تشغيل متراكمة.
تعدد الموردين، في هذه الحالة، يمنح هامشًا سياسيًا لكنه يخلق عبئًا هندسيًا وسياديًا. فالمنظومة الأمريكية لا تعمل بالضرورة بالمنطق البرمجي نفسه الذي تعمل به منظومة صينية أو إسرائيلية أو أوروبية. والفارق هنا ليس اختلافًا في كتيبات التشغيل فقط، بل في بروتوكولات البيانات، ومعايير الأمن السيبراني، وحقوق الوصول إلى السجلات الفنية، وإمكان دمج المنصة في شبكة إقليمية أوسع.
من ثم، يصبح السؤال المركزي: هل تستطيع دولة خليجية أن تدمج منظومات مختلفة المصدر من دون أن تجعل بياناتها الدفاعية الحساسة مكشوفة أمام مورّدين متنافسين؟ هذه ليست مبالغة. فكل عملية اعتراض تنتج بيانات عن الهدف، والطقس، وزمن الاستجابة، ودقة التعقب، ونقاط الضعف، وطريقة اتخاذ القرار. وإذا لم تكن شروط التحكم في البيانات واضحة، قد تتحول المنظومة الدفاعية إلى قناة معرفة عكسية عن بنية الدفاع نفسها.
لا يعني ذلك أن تنويع الموردين خطأ في ذاته. لكنه يصبح خطرًا عندما يسبق بناء المعايير. فالقرار السليم ليس اختيار مورد واحد بالضرورة، بل تحديد ما لا يجوز التفريط به: سيادة البيانات، قابلية التشغيل البيني، حق الاختبار المستقل، وتوطين المعرفة الفنية الكافية لفهم حدود المنظومة لا الاكتفاء بتشغيلها.
عمليًا، يبدأ الحل من وضع معيار سيادي موحد قبل توقيع العقود لا بعدها. ينبغي أن تعرف الدولة مسبقًا أين تُخزَّن بيانات الرصد، ومن يملك حق الوصول إلى سجلات الاشتباك، وكيف تُدار التحديثات البرمجية، وما الحدود التي تمنع أي مورد من تحويل الصيانة إلى قناة نفوذ. هذه الأسئلة تبدو إدارية، لكنها في لحظة الأزمة تصبح جزءًا من قرار الحرب والسلم؛ لأن المنظومة التي لا تستطيع الدولة فحصها أو تعطيل اتصالها الخارجي أو دمجها في مركز قيادة وطني ستبقى قدرة ناقصة السيادة، مهما بلغت دقة شعاعها أو انخفاض كلفة استخدامها.
ثالثًا: حدود السلاح في بيئة الخليج
الليزر لا يعمل في فراغ. قوته التقنية ترتبط مباشرة بالبيئة التي يُنشر فيها. وأول قيوده أنه سلاح خطّ بصر؛ يحتاج إلى رؤية مباشرة للهدف، ولا يستطيع الالتفاف خلف عائق أو التعامل مع مسارات معقدة كما تفعل بعض الصواريخ. لذلك يبرز بوصفه دفاعًا نقطيًا حول منشآت محددة، لا مظلة شاملة فوق مساحات واسعة.
القيد الثاني هو الغلاف الجوي. فالرطوبة الساحلية، والغبار، والضباب، والعواصف الرملية، ودرجات الحرارة المرتفعة، كلها عوامل تؤثر في جودة الشعاع وفي استقرار التبريد والطاقة. هذه القيود ليست تفصيلًا ثانويًا في الخليج، بل جزء من المسرح العملياتي نفسه. لذلك لا تكفي تجربة نجاح في بيئة اختبارية معتدلة للحكم على الأداء في صيف خليجي رطب أو أثناء عاصفة غبارية.
القيد الثالث يتعلق بزمن التعرض. فالليزر يحتاج إلى تثبيت الطاقة على الهدف مدة كافية لإحداث الأثر المطلوب. كلما زادت سرعة الهدف أو قدرته على المناورة، وكلما ازدادت كثافة الأهداف في اللحظة نفسها، تراجع هامش الفاعلية. هنا تظهر أهمية طبقات أخرى: رادارات أسرع، خوارزميات فرز أهداف، حرب إلكترونية، واعتراض صاروخي عند الضرورة.
أما القيد الرابع فهو تكيف الخصم. كل تقنية دفاعية ناجحة تولد محاولة التفاف عليها. قد يزيد المهاجم الكثافة، أو يغير مسارات الطيران، أو يقلل زمن تعرض المسيّرة، أو يمزج أهدافًا رخيصة بأهداف أكثر خطورة لإرباك نظام القرار. لذلك لا يجوز بناء عقيدة دفاعية على افتراض أن الخصم سيبقى ثابتًا أمام أداة جديدة. الردع في هذه البيئة ليس امتلاك سلاح متقدم فقط، بل القدرة على التكيف أسرع من الطرف الآخر.
رابعًا: الاقتصاد السياسي للردع منخفض الكلفة
تغري أرقام الكلفة التشغيلية المنخفضة بقراءة مبسطة: الليزر أرخص، إذن هو الحل. لكن الحساب الاستراتيجي أكثر تعقيدًا. فكلفة الطلقة لا تمثل كلفة المنظومة؛ هناك ثمن المنصة، والطاقة، والتبريد، والصيانة، والربط الشبكي، والتدريب، والبنية التحتية، واختبارات الاعتماد، والتحديثات. لذلك تكون المقارنة الصحيحة بين كلفة دورة حياة منظومة الليزر وعدد الاعتراضات التي تنجزها في بيئتها الفعلية، لا بين طلقة ليزر واحدة وصاروخ واحد.
مع ذلك، تبقى حجة الليزر قوية في حالات الاستنزاف. فالمخزون الصاروخي ليس موردًا ماليًا فقط؛ إنه مورد زمني وصناعي وسياسي. تعويضه يحتاج إلى عقود إنتاج وسلاسل إمداد وموافقات تصدير. وإذا استُنزف ضد أهداف رخيصة، تنخفض قدرة الدولة على مواجهة تهديدات أعلى قيمة. هنا يصبح الليزر أداة لإدارة الندرة: لا يلغي الحاجة إلى الصواريخ، لكنه يمنع إنفاقها على كل هدف.
تقديريًا، ستسعى دول الخليج إلى تحويل الليزر إلى طبقة حماية للمنشآت الحساسة لا إلى دفاع وطني شامل. وهذا تقدير يستند إلى طبيعة القيود التقنية وإلى نمط البنية التحتية في المنطقة: منشآت عالية القيمة، ثابتة، متقاربة نسبيًا، وتحتاج إلى تقليل كلفة الحماية المستمرة. غير أن نجاح هذا المسار مشروط بعدم الخلط بين حماية النقطة وحماية المجال. فنجاح الليزر حول منشأة لا يعني قدرة تلقائية على تأمين مدينة أو ساحل أو مسرح عمليات واسع.
كما أن دول الخليج ليست كتلة عملياتية واحدة. فالدولة ذات الساحل الطويل والمنشآت البحرية المكشوفة ستحتاج إلى نمط نشر مختلف عن الدولة التي تتركز أصولها الحيوية في نطاقات حضرية محدودة. والمطار الدولي لا يشبه منصة الغاز، والقاعدة الجوية لا تشبه ميناء الحاويات. لذلك يفقد النقاش قيمته إذا بقي عند مستوى «شراء الليزر» بوصفه عنوانًا عامًا. المطلوب هو خرائط أولوية: أي منشأة تحتاج حماية نقطية دائمة؟ أي موقع يكفيه دمج الليزر مع التشويش؟ أي قطاع لا يجوز أن يعتمد على الليزر بسبب الرطوبة أو الغبار أو زاوية الرؤية؟ بهذه الطريقة فقط يتحول السلاح من صورة تقنية جذابة إلى قدرة دفاعية قابلة للقياس.
خامسًا: من منصة جديدة إلى عقيدة تشغيلية
المأزق الخليجي المحتمل لا يكمن في تأخر الحصول على التكنولوجيا، بل في سرعة الحصول عليها قبل اكتمال عقيدة استخدامها. فالمنصة المتقدمة، حين تدخل بنية غير متكاملة، قد تضيف تعقيدًا بدل أن تضيف قدرة. وهذا ما يجعل سؤال التكامل أهم من سؤال الشراء.
تحتاج منظومات الليزر إلى موقع محدد داخل سلسلة الدفاع. في المراحل الأولى، تتولى الرادارات والإنذار المبكر كشف التهديد وفرزه. بعد ذلك تحدد القيادة والسيطرة أولوية الاعتراض: هل الهدف رخيص وبطيء ويقع داخل خط البصر؟ هل ينبغي التعامل معه بالليزر؟ هل الأفضل تعطيله إلكترونيًا؟ هل يجب حفظ الصاروخ لتهديد آخر؟ من دون هذا الترتيب، قد تستخدم الدولة الأداة غير المناسبة في اللحظة غير المناسبة.
العقيدة التشغيلية المطلوبة ينبغي أن تجيب عن أسئلة محددة: ما عتبة استخدام الليزر؟ ما حدود تشغيله في الرطوبة والغبار؟ متى ينتقل القرار إلى الصواريخ؟ كيف تُدار الأولوية أثناء هجوم مختلط؟ كيف تُحمى بيانات التعلم والتقييم؟ وكيف تُراجع نتائج الاعتراض بعد كل موجة تهديد؟ هذه أسئلة سياسة دفاعية بقدر ما هي أسئلة تقنية.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة لأن هجمات المسيّرات لا تأتي غالبًا في صورة هدف منفرد يسهل عزله. الخطر الأكثر واقعية هو الهجوم المختلط: مسيّرات رخيصة لاختبار الدفاع، وأهداف أسرع لاستنزاف القرار، وتشويش على قنوات القيادة، وربما صواريخ جوالة أو باليستية تُطلق في التوقيت نفسه. في هذا النوع من الهجوم لا تكون المشكلة في إسقاط مسيّرة واحدة، بل في منع الخصم من دفع المنظومة إلى اختيار خاطئ: استخدام صاروخ باهظ ضد هدف ثانوي، أو تأخير الاعتراض على هدف أخطر، أو كشف نمط التشغيل بما يسمح بتكرار الالتفاف عليه. هنا تصبح العقيدة أهم من المنصة، ويصبح التدريب على التمييز بين الأهداف جزءًا من الردع نفسه.
لذلك، فإن القيمة الأهم لليزر قد لا تكون في الشعاع نفسه، بل في إجبار المؤسسات الدفاعية على إعادة هندسة العلاقة بين الكلفة والتهديد والبيانات. الدولة التي تبني هذا المستوى من الحوكمة ستستفيد من الليزر حتى مع قيوده. أما الدولة التي تكتفي باقتناء المنظومة، فقد تحصل على قدرة لافتة في العروض والتجارب، لكنها ستواجه هشاشة عند أول اختبار متعدد الأهداف والظروف.
سادسًا: الدلالات الجيوسياسية
يحمل الليزر في الخليج دلالة تتجاوز التقنية. فهو يدخل سوقًا تتقاطع فيها واشنطن وبكين وتل أبيب وأنقرة وعواصم أوروبية، وكل طرف يعرض مزيجًا مختلفًا من السعر، والسرعة، والتكنولوجيا، والقيود السياسية. دول الخليج ستسعى إلى استثمار هذا التنافس لتوسيع هامش مناورتها، لكنها ستواجه في المقابل سؤالًا لا يمكن تجنبه: هل يوسّع تعدد الموردين الاستقلال، أم يوزع التبعية على أكثر من طرف؟
واشنطن ستنظر بحذر إلى حضور المنظومات الصينية داخل دفاعات حلفائها، لا لأنها منصة منفصلة فقط، بل لأنها قد تلامس بيانات عملياتية حساسة. وبكين ستستفيد من تقديم خيارات أقل تقييدًا وأسرع توريدًا. أما الموردون الآخرون فسيحاولون ربط المنظومات بحزم تدريب وتحديث ودعم فني طويلة الأمد. في كل الأحوال، لن تكون الصفقة تقنية خالصة؛ ستدخل في بنية التحالفات والعقود والاعتماد المتبادل.
تظهر هنا مفارقة مهمة: السلاح الذي يُعرض بوصفه وسيلة لخفض الكلفة قد يرفع كلفة السيادة إذا لم تضبط الدولة شروطه. فالاستقلال الدفاعي لا يقاس بعدد الموردين، بل بقدرة الدولة على التحكم في البيانات، وفهم المنظومة، واختبارها مستقلًا، وإدماجها ضمن شبكة لا تتحول إلى صندوق أسود خارجي.
من هذه الزاوية، لا ينبغي قياس نجاح الليزر بعدد المنظومات المعلنة في العروض أو الصفقات، بل بثلاثة مؤشرات أدق: نسبة الاعتراضات الرخيصة التي أُنجزت من دون استنزاف المخزون الصاروخي، قدرة مركز القيادة على توزيع الأهداف بين الطبقات خلال ثوان، ومستوى السيطرة الوطنية على البيانات والتحديثات. هذه المؤشرات تنقل التقييم من لغة الانبهار بالتقنية إلى لغة القدرة المؤسسية. فالسلاح الذي لا يغيّر طريقة التخطيط والتمرين والمحاسبة يبقى إضافة مادية إلى الترسانة، لا تحولًا في بنية الردع.
نتائج تقديرية
أولًا، سيصبح الليزر طبقة متزايدة الحضور في الدفاع الجوي الخليجي خلال السنوات المقبلة، لكنه لن يخرج الصواريخ من المعادلة. وظيفته المرجحة هي تقليل كلفة التعامل مع شريحة من المسيّرات والتهديدات القريبة، لا معالجة كامل الطيف الجوي.
ثانيًا، ستنتقل المنافسة من امتلاك المنصة إلى إدارة الشبكة. الدولة الأكثر فاعلية لن تكون بالضرورة صاحبة المنظومة الأعلى دعاية، بل صاحبة القدرة الأعلى على دمج الرصد والقرار والاعتراض والتقييم ضمن دورة واحدة.
ثالثًا، ستزداد حساسية السيادة على البيانات الدفاعية. فكلما اتسعت الأنظمة المتصلة، صارت بيانات التشغيل والتحديث والاختبار جزءًا من الأمن الوطني لا مجرد ملف فني.
رابعًا، سيبقى الخصم قادرًا على التكيف. لذلك يجب التعامل مع الليزر كميزة مؤقتة قابلة للتآكل إن لم تُدعَم بالتدريب، والتحديث، وتعدد الطبقات، والتقييم المستمر.
خامسًا، ستعيد هذه التقنية تشكيل العلاقة بين وزارات الدفاع والمالية. فالنقاش لن يدور فقط حول شراء أنظمة جديدة، بل حول كلفة الاستنزاف، ودورة حياة المنظومات، ومخزون الاعتراض، والقدرة الصناعية على التعويض.
خلاصة
لا يقدّم الليزر نهاية لعصر الصواريخ، ولا يفتح باب ردع مكتمل منخفض الكلفة. لكنه يفرض على دول الخليج إعادة صياغة سؤال الدفاع الجوي: كيف تُدار طبقات الاعتراض بحيث تُحفظ الصواريخ للتهديدات الأعلى، وتُعالج المسيّرات الرخيصة بأدوات أقل كلفة، وتبقى البيانات الدفاعية تحت سيادة وطنية واضحة؟
النتيجة المركزية أن الليزر فرصة مشروطة. ينجح حين يكون جزءًا من هندسة دفاعية متعددة الطبقات، ويفشل حين يُعامل كمنصة منفردة قادرة على حل مشكلة المسيّرات. وبين هذين الحدين ستتحدد قيمة الاستثمار الخليجي: إما انتقال نحو دفاع أكثر كفاءة واستدامة، أو إضافة تقنية متقدمة إلى بنية تعاني أصلًا من تشتت الموردين وتعقيد التكامل.
ما بعد الليزر لن يكون عصرًا بلا صواريخ، بل عصرًا تُعاد فيه محاسبة كل طبقة دفاعية على وظيفتها وكلفتها وبياناتها وحدودها. ومن يملك القدرة على هذا النوع من المحاسبة سيكون أقرب إلى تحويل التقنية إلى ردع، لا إلى مجرد اقتناء جديد في سباق تسلح إقليمي.
المراجع
[1] UK Ministry of Defence, “Boost for Armed Forces as new laser weapon takes down high-speed drones”, 20 November 2025.
[2] Reuters, “UK beefs up Royal Navy counter-drone tech with $413 mln laser contract”, 20 November 2025.
[3] Arab Gulf States Institute in Washington, Frank A. Rose, “Air and Missile Defense in the Gulf”, 18 March 2026.
[4] IISS, “Defending the skies of the Arab Gulf states”, March 2026.
[5] CSIS, “Unpacking Iran’s Drone Campaign in the Gulf: Early Lessons for Future Drone Warfare”, 10 March 2026.
[6] DW عربي، «ليزر في سماء الخليج.. نهاية عصر الصواريخ ضد مسيّرات إيران؟»، أيار/مايو ٢٠٢٦.






















