- الإسلاموية القانونية واختبار الديمقراطية الدفاعية في ألمانيا
- شبكات الوساطة، وسؤال اختراق الأحزاب، وحدود الحماية الدستورية
- دراسة تحليلية استراتيجية | إقفال البيانات: ٣ أيار/مايو ٢٠٢٦
ملخص تنفيذي
تبحث هذه الدراسة في انتقال النقاش الألماني حول الإسلام السياسي من مقاربة أمنية تركز على العنف والتطرف الجهادي إلى إشكالية مؤسسية أكثر تعقيدًا: التمثيل، والوساطة، والعمل الجمعياتي، وقنوات التأثير داخل الأحزاب والبلديات. ولا تتعامل الدراسة مع المسلمين في ألمانيا بوصفهم كتلة سياسية أو مجال اشتباه؛ بل تنطلق من التمييز الصارم بين الإسلام دينًا وممارسةً اجتماعية، وبين المشروع السياسي الذي يستخدم المرجعية الدينية لبناء نفوذ مؤسسي أو احتكار تمثيلي.
تتخذ الدراسة من السؤال البرلماني الصغير رقم 21/5514، المقدم من كتلة حزب «البديل من أجل ألمانيا» في البوندستاغ بعنوان «الخطر المحتمل لاختراق الأحزاب من قبل إسلاميين»، مؤشرًا على انتقال الملف من تقارير حماية الدستور والسجال الإعلامي إلى مساءلة برلمانية مكتوبة. غير أن الورقة لا تعدّ الوثيقة دليلًا على اختراق حزبي منظم؛ فإثبات ذلك يتطلب تحقيقًا أمنيًا أو قضائيًا لا توفره الوثائق العامة. قيمتها البحثية أنها تكشف عن قلق مؤسسي من نمط تأثير يعمل داخل الهامش القانوني والديمقراطي.
تجادل الدراسة بأن «الإسلاموية القانونية» لا تُقاس بخطابها المعلن ولا بحجمها العددي وحدهما، بل بقدرتها على احتلال مواقع الوساطة بين الدولة والجاليات المسلمة، وتحويل الاعتراف المؤسسي إلى رأسمال سياسي ورمزي. فالجمعية المنظمة قد تتحول من شريك إداري في الاندماج أو الحوار الديني إلى بوابة تمثيل شبه دائمة، بما يهمش المسلمين غير المنظمين، والنساء المستقلات، والاتجاهات الليبرالية والعلمانية، والاختلافات المذهبية والثقافية داخل المجتمع المسلم نفسه.
تعتمد الدراسة على تحليل وثائقي نوعي، يشمل السؤال البرلماني الألماني، ومعطيات مكتب حماية الدستور، ومواد الوكالة الاتحادية للتثقيف السياسي، وكتابات مؤسسية حول جماعة الإخوان المسلمين والشبكات القريبة منها، إضافة إلى مقارنة محدودة مع فرنسا وبريطانيا. وتخلص إلى أن الديمقراطية الألمانية تواجه معادلة دقيقة: حماية المسلمين من الوصم والعنصرية، وحماية النظام الدستوري الحر من التوظيف الأيديولوجي للدين، ومنع اليمين الشعبوي من احتكار نقد الإسلام السياسي وتحويله إلى خطاب ضد المسلمين عمومًا.
تتمثل الخلاصة المركزية في أن مواجهة هذا النمط لا تنجح بالحظر وحده، ولا بالشراكة غير المشروطة، ولا بالخطاب الشعبوي. تحتاج ألمانيا إلى سياسة مركبة: شفافية تمويل، وتعدد شركاء مسلمين، وتدقيق في الشراكات العامة، وتدريب للأحزاب والبلديات، وحماية قانونية حازمة من العنصرية ضد المسلمين، مع مراقبة الفاعلين الذين يستخدمون الدين لبناء نفوذ سياسي يتعارض مع مبادئ النظام الدستوري الحر.
الكلمات المفتاحية: الإسلاموية القانونية، ألمانيا، جماعة الإخوان المسلمين، الديمقراطية الدفاعية، حماية الدستور، اختراق الأحزاب، الوساطة التمثيلية، الإسلام السياسي، مكافحة التمييز.
مقدمة
لم يعد النقاش الألماني حول الإسلام السياسي محصورًا في الإرهاب أو السلفية الجهادية. خلال السنوات الأخيرة، انتقلت مؤسسات الأمن الداخلي والبحث السياسي والإعلام العام إلى مستوى أكثر تعقيدًا: تيارات لا تجعل العنف وسيلتها المركزية، ولا تعلن مواجهة مباشرة مع الدولة، لكنها تسعى إلى بناء نفوذ اجتماعي وسياسي داخل المجتمع المفتوح. هذا النفوذ يظهر عبر الجمعيات، والمراكز، والمساجد، والمبادرات المحلية، والشراكات البلدية، كما يظهر عبر خطاب حقوقي يخلط أحيانًا بين نقد التوظيف السياسي للدين والعداء للمسلمين.
تتولد الحساسية السياسية والمنهجية من هذه المنطقة الرمادية. فالدولة الألمانية مطالبة بحماية حرية الدين والمشاركة المدنية، ومطالبة في الوقت نفسه بحماية النظام الديمقراطي الحر من أي مشروع يستخدم الدين لبناء سلطة سياسية مغلقة. وإذا اتسعت المقاربة الأمنية بلا تمييز، ألحقت الضرر بالمواطنين المسلمين وبثقة الجاليات في الدولة. وإذا ضاقت أكثر من اللازم، تُركت مساحات الوساطة والتمثيل أمام شبكات أيديولوجية قادرة على العمل تحت عناوين المشاركة والاندماج ومكافحة التمييز.
لا يشكل المسلمون في ألمانيا كتلة سياسية واحدة. هم مواطنون ومقيمون وجماعات دينية وثقافية متعددة الخلفيات والمذاهب والاتجاهات. لذلك يرفض التحليل أي تعامل معهم بوصفهم مجال اشتباه. في المقابل، لا تستطيع الدولة تجاهل تيارات تسعى إلى تحويل الدين إلى مشروع سياسي، أو إلى إنتاج بنى وساطة تتحدث باسم المسلمين وتحدد شروط تمثيلهم أمام الدولة والأحزاب والإعلام.
هنا تظهر المعضلة الألمانية. عندما يتردد الوسط الديمقراطي في نقد هذا المشروع خشية اتهامه بالعنصرية، تتسع المساحة أمام فاعليه لتقديم أنفسهم بوصفهم ممثلين محميين أخلاقيًا. وعندما يحتكر اليمين الشعبوي نقد الإسلام السياسي، يتحول النقد إلى أداة تعبئة ضد المسلمين، فتزداد هشاشة النقاش العام وتضعف قدرة الدولة على التمييز بين الدين والتوظيف السياسي للدين.
تنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن الإسلاموية القانونية في ألمانيا تعمل، في جانبها الأهم، كشبكة وساطة قادرة على تحويل أدوات الديمقراطية الليبرالية إلى موارد نفوذ. فحرية الجمعيات، والحوار المؤسسي، وخطاب مكافحة التمييز، والشراكات المحلية أدوات مشروعة وضرورية. لكنها تصبح موضوعًا سياسيًا وأمنيًا عندما تستخدمها شبكات أيديولوجية لبناء احتكار تمثيلي، أو لتقليل كلفة نقدها العام، أو لتشكيل علاقات دائمة داخل البلديات والأحزاب على نحو لا يعكس التعدد الفعلي للمسلمين في ألمانيا.
أولًا: الفجوة البحثية والمساهمة الأصلية
تعالج الأدبيات الألمانية هذا الحقل غالبًا من زاويتين منفصلتين. الزاوية الأولى أمنية، تركز على التطرف، وحماية الدستور، وخطر العنف، وتمثلها تقارير مكتب حماية الدستور. والزاوية الثانية نقدية ـ اجتماعية، تحذر من الخلط بين الإسلام والمسلمين والمشروع السياسي الديني، وتنبه إلى أن الأمننة غير الدقيقة قد تؤدي إلى وصم المسلمين وتعزيز شعور العزلة.
يظهر هذا التحذير بوضوح في مواد الوكالة الاتحادية للتثقيف السياسي. فقد شدد موراد كايمان على أن استخدام مفهوم «الإسلاموية» يحمل دائمًا خطر المساواة بين المسلمين والإسلاميين، الأمر الذي يجعل التمييز المفاهيمي واجبًا على المؤسسات العامة والجماعات الإسلامية في الوقت نفسه [6][7]. وتعرض مساهمة مايكل كيفر في الملف نفسه مشهد الإسلام السياسي في ألمانيا بوصفه نتاجًا لتاريخ الهجرة، وتدعو إلى صيغ جديدة من التربية السياسية والوقاية بدل الاكتفاء بمقاربة أمنية ضيقة [8].
غير أن هاتين الزاويتين لا تكفيان وحدهما لفهم النمط القانوني بوصفه شبكة وساطة داخل الديمقراطية الليبرالية. فالمشكلة لا تظهر فقط في خطاب معلن ضد الدستور، ولا في فعل عنيف مباشر، بل في القدرة على احتلال مواقع التمثيل، والتحدث باسم الجالية، والدخول في شراكات بلدية وحزبية، ثم تحويل الاعتراف المؤسسي إلى رأسمال سياسي.
تسهم هذه الدراسة في سد هذه الفجوة عبر نقل السؤال من: «هل توجد جماعات ذات مشروع ديني سياسي؟» إلى سؤال أكثر تركيبًا: «كيف يتحول الوجود الجمعياتي والخطابي إلى نفوذ داخل المجال العام؟». وتقترح مفهوم «الوساطة الإسلاموية القانونية» أداة تحليلية لفهم العلاقة بين الجمعيات، والبلديات، والأحزاب، وخطاب مكافحة التمييز، مع تجنب تعميم الشبهة على المسلمين أو اختزال الظاهرة في العنف.
المساهمة الأصلية، إذن، ليست في إثبات وجود الإسلام السياسي في ألمانيا؛ فهذا موضوع حاضر في الأدبيات والتقارير. الإضافة تكمن في تحليل مسار التحول من الوجود الجمعياتي إلى سلطة الوساطة، ومن الاعتراف المؤسسي إلى نفوذ رمزي، ومن خطاب مكافحة التمييز إلى درع دفاعي قد يُستخدم أحيانًا لحماية مشروع سياسي لا لحماية المواطن المسلم فقط.
ثانيًا: المفاهيم المرجعية وحدود الاستخدام
تعتمد الدراسة أربعة مفاهيم مرجعية لضبط التحليل ومنع الالتباس. المقصود بـ«الإسلام»، في هذه الدراسة، دين وتدين وممارسة روحية واجتماعية. ولا يُعامل الإسلام بذاته بوصفه موضوعًا أمنيًا أو سياسيًا. أما «الإسلاموية» فهي أيديولوجيا سياسية تستخدم المرجعية الإسلامية لتأسيس تصور شامل للمجتمع والدولة والقانون والسلطة. ويتقاطع هذا التعريف مع تعريفات مؤسسات حماية الدستور، التي ترى في الإسلاموية شكلًا من أشكال التطرف السياسي يقوم على تصور نظام إلهي مطلق يعلو على النظم التي يصنعها البشر [4].
أما «الإسلاموية القانونية» فليست توصيفًا يمنح الشرعية، بل توصيف لطريقة عمل. المقصود بها نمط إسلاموي لا يعتمد العنف وسيلة رئيسية، بل يتحرك عبر أدوات مشروعة ظاهريًا: الجمعيات، والحوار المؤسسي، والتمثيل الديني، والخطاب الحقوقي، والشراكات البلدية والحزبية. خطورته لا تنبع دائمًا من خرق القانون المباشر، بل من توظيف القانون لبناء نفوذ أيديولوجي طويل الأمد داخل المجال العام.
أما «اختراق الأحزاب» فيُستخدم هنا بمعنى تحليلي لا جنائي. المقصود به قدرة فاعلين أيديولوجيين على التأثير في قنوات حزبية أو بلدية أو انتخابية أو خطابية، من دون افتراض وجود توجيه تنظيمي مركزي مثبت قضائيًا. لذلك تحذر الدراسة من استخدام المفهوم بطريقة توحي بإدانة مسبقة، لكنها في الوقت نفسه لا تفرغه من مضمونه السياسي: فالتأثير داخل الحزب قد يحدث عبر العلاقات، أو الخطاب، أو الشراكات المحلية، أو اختيار المخاطبين، لا عبر تسلل تنظيمي هرمي فقط.
وأخيرًا، تشير «الوساطة التمثيلية» إلى الموقع الذي يشغله فاعل جمعياتي أو ديني أو مدني بين الدولة وجماعة اجتماعية. الوساطة ضرورية في الديمقراطيات التعددية، لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول إلى احتكار، أو عندما يتقدم الفاعل الأكثر تنظيمًا بصفته ممثلًا لجماعة أوسع من قاعدته الفعلية.
ثالثًا: المنهجية وحدود الدراسة
تعتمد الدراسة منهج تحليل وثائق نوعي. وتتعامل مع الوثائق الرسمية بوصفها مصادر لبناء الإشكالية، لا بوصفها أحكامًا نهائية على فاعلين بعينهم. وتشمل عينة الوثائق السؤال البرلماني الصغير رقم 21/5514، ومواد البوندستاغ ذات الصلة، ومعطيات مكتب حماية الدستور لعام 2024، ومواد تعريفية حول الإسلاموية في ألمانيا، ودراسات الوكالة الاتحادية للتثقيف السياسي، ومصادر مقارنة من فرنسا وبريطانيا.
لا تسعى الدراسة إلى إثبات واقعة اختراق حزبي محددة. هذا يتطلب معطيات تحقيقية لا توفرها الوثائق العامة. هدفها تحليل البنية التي تجعل التأثير ممكنًا: الجمعيات، والوساطة، والتمويل، والشراكات المحلية، وخطاب مكافحة التمييز، والحاجة الحزبية والبلدية إلى مخاطبين منظمين داخل الجاليات.
تتمثل حدود الدراسة في ثلاثة أمور. الأول أنها لا تجري تحقيقًا ميدانيًا داخل الأحزاب أو الجمعيات. الثاني أنها لا تعمم على المسلمين أو الجمعيات الإسلامية. الثالث أنها تفصل بين التحليل الأمني والتحليل السياسي؛ فليس كل نفوذ سياسي خطرًا أمنيًا، وليس كل فاعل ديني حاملًا لمشروع إسلاموي. لذلك تُقرأ المؤشرات باعتبارها مادة لتقدير النمط، لا لإدانة أفراد أو كيانات بعينها خارج ما يرد في المصادر الرسمية.
رابعًا: الإطار النظري
١. الديمقراطية الدفاعية
يقوم مفهوم الديمقراطية الدفاعية على أن النظام الديمقراطي يملك حق حماية ذاته أمام القوى التي تستخدم حرياته لإضعافه. في السياق الألماني، يرتبط هذا المفهوم بتجربة تاريخية عميقة: انهيار جمهورية فايمار وصعود النازية عبر أدوات سياسية وقانونية. لذلك لا تُفهم الديمقراطية الدفاعية في ألمانيا بوصفها استثناءً عابرًا، بل بوصفها جزءًا من ذاكرة دستورية تجعل حماية «النظام الديمقراطي الحر» وظيفة مركزية للدولة.
غير أن قوة الديمقراطية الدفاعية لا تأتي من اتساع الحظر، بل من دقته. فإذا عالجت الدولة هذا الملف بلغة فضفاضة، أضعفت ثقة المسلمين بها وأهدت اليمين الشعبوي مادة تعبئة إضافية. وإذا تجاهلت النمط القانوني غير العنيف خوفًا من الحساسية السياسية، سمحت لشبكات أيديولوجية بتوسيع حضورها داخل المجال العام. بهذا المعنى، تكون الديمقراطية الدفاعية في هذا الملف سياسة تمييز دقيقة بين الدين، والتدين المحافظ، والعمل المدني، والمشروع السياسي المغلق.
٢. النمط القانوني غير العنيف
يختلف النمط القانوني غير العنيف عن الجهادية المسلحة. فهو لا يحتاج إلى خطاب عنيف دائم، ولا إلى بنية سرية صلبة. يتحرك داخل القانون، ويستخدم مفردات المشاركة والاندماج والحقوق. لكنه لا يفقد بذلك طابعه السياسي. فالمسألة لا تتعلق بالوسيلة فقط، بل بالغاية: هل تسعى الشبكات إلى توسيع مشاركة المواطنين المسلمين في النظام الديمقراطي، أم إلى بناء سلطة تمثيلية أيديولوجية تتحدث باسمهم وتعيد تأطير علاقتهم بالدولة والمجتمع؟
تُظهر معطيات مكتب حماية الدستور لعام 2024 أن «الإمكان الإسلاموي» في ألمانيا قُدّر بنحو 28.280 شخصًا، بينما قُدّر «الإمكان العنيف» بنحو 9.540 شخصًا [5]. دلالة هذه الأرقام لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في التمييز بين مستويات مختلفة: خطر عنيف مباشر، وخطر قانوني مؤسسي، وشبكات ذات قدرة تمثيلية أكبر من حجمها العددي.
٣. الوساطة التمثيلية
كل دولة تحتاج إلى وسطاء اجتماعيين. وتزداد الحاجة إلى هؤلاء الوسطاء عند التعامل مع جماعات دينية أو مهاجرة أو لغوية. غير أن الوساطة قد تتحول إلى احتكار. عندما تبحث بلدية أو حزب أو وزارة عن شريك مسلم، فإنها تميل غالبًا إلى الفاعل الأكثر تنظيمًا وقدرة على تقديم نفسه بصفته ممثلًا للجالية.
هنا تظهر المشكلة. التنظيم لا يعني التمثيل، والقدرة على التواصل مع الدولة لا تعني الشرعية الاجتماعية الواسعة. هذا النمط يعمل داخل هذه المساحة. فهو لا يسيطر على الدولة، لكنه يؤثر في طريقة وصول الدولة إلى المسلمين. ولا يمنع التعددية رسميًا، لكنه يجعل الفاعلين غير المنظمين، أو الليبراليين، أو العلمانيين، أو المختلفين مذهبيًا، أقل حضورًا. هكذا يتحول «الممثل الجاهز» إلى وسيط دائم، ويتحول الوسيط إلى صاحب سلطة رمزية.
٤. الفرص السياسية داخل الديمقراطيات الليبرالية
تتيح الديمقراطيات الليبرالية فرصًا واسعة للتنظيم: حرية الجمعيات، وحرية التعبير، وحرية الدين، والمشاركة الحزبية، وتمويل المشاريع المدنية، والحوار مع البلديات. هذه الفرص أساس الديمقراطية المفتوحة. لكنها تخلق، بحكم انفتاحها، إمكانات توظيف من قبل فاعلين لا يلتزمون بروحها التعددية.
الحل لا يقوم على إغلاق المجال المدني، بل على بناء شفافية داخله. فالديمقراطية لا تطلب من كل فاعل ديني التخلي عن هويته كي يشارك. لكنها تستطيع أن تطلب وضوح التمويل، وشفافية الارتباطات، والتزامًا صريحًا بالدستور، وبالمساواة، وحرية الضمير، وحقوق الفرد.
٥. الأمننة السياسية للدين
الأمننة تعني تحويل قضية اجتماعية أو دينية أو ثقافية إلى موضوع أمني. في ملف الإسلام السياسي، تحمل الأمننة خطرين متقابلين. فإذا اتسعت بلا تمييز، دفعت مسلمين غير إسلاميين إلى الشعور بأنهم مستهدفون كجماعة. وإذا ضاقت أكثر من اللازم، تركت المجال للتيارات المؤدلجة كي تتحرك تحت غطاء الدين والحقوق.
وتلفت أدبيات الوكالة الاتحادية للتثقيف السياسي إلى خطر «الراديكالية المشتركة»، حيث تؤدي ردود الفعل المتبادلة بين التطرف وخطاب العداء إلى تعزيز كل طرف للآخر [8]. لذلك لا يكفي تفكيك المشروع الإسلاموي؛ ينبغي أيضًا تفكيك الخطابات التي تمنحه مادة دفاعية: العنصرية، والتعميم، والخلط بين المسلم والإسلامي السياسي.
خامسًا: نموذج الدراسة — مثلث الوساطة القانونية المؤدلجة
تقترح الدراسة نموذجًا تحليليًا يقوم على ثلاثة أضلاع مترابطة: الوساطة التمثيلية، والشرعنة الحقوقية، والتموقع المؤسسي. لا يختزل هذا النموذج الظاهرة في التنظيم، ولا في الخطاب، ولا في التمويل وحده. يقرأها باعتبارها علاقة بين تمثيل وشرعنة وتموضع.
الضلع الأول هو الوساطة التمثيلية. تسعى بعض الشبكات المنظمة إلى تقديم نفسها بوصفها المخاطب الأكثر جاهزية للمسلمين أمام الدولة والأحزاب والإعلام. تستفيد في ذلك من حاجة المؤسسات إلى شريك واضح، ومن ضعف حضور الأصوات المسلمة غير المنظمة. بمرور الوقت، لا تعود الجمعية وسيطًا تقنيًا فقط، بل تتحول إلى بوابة سياسية ورمزية.
الضلع الثاني هو الشرعنة الحقوقية. يجري استخدام خطاب مكافحة العنصرية والتمييز، وهو خطاب مشروع وضروري، لتوسيع هامش الحماية حول فاعلين أيديولوجيين. عندما يصبح نقد هذا المشروع معرضًا للخلط مع العداء للمسلمين، تقل كلفة تمدد الشبكات المؤدلجة، وترتفع كلفة نقدها.
الضلع الثالث هو التموقع المؤسسي. تتحول الجمعيات والمبادرات المحلية والبلديات واللجان الحزبية إلى نقاط تماس تتيح بناء نفوذ تدريجي. هذا النفوذ لا يظهر دائمًا في صورة تنظيم هرمي، بل في صورة شبكة علاقات وتراكم اعتراف. لذلك لا تُقاس خطورته بالعدد فقط، بل بقدرته على تحويل الاعتراف المؤسسي إلى مورد سياسي.
سادسًا: السياق الألماني — من سؤال الاندماج إلى سؤال النفوذ
تطورت علاقة ألمانيا بالإسلام عبر تاريخ الهجرة والعمل واللجوء. في البداية غلب تصور «العمال الضيوف» المؤقتين، ثم تغير الواقع الاجتماعي والديموغرافي، وصار الإسلام جزءًا من البنية الدينية والثقافية للبلاد. وتشير الوكالة الاتحادية للتثقيف السياسي إلى أن مشهد الإسلاموية في ألمانيا يعكس، في تنوعه، تاريخ الهجرة الألمانية، وأن مواجهته تحتاج إلى صيغ جديدة من التربية السياسية والوقاية [8].
ومع استقرار الجاليات المسلمة، ظهرت الحاجة إلى مؤسسات تمثيلية: مساجد، وجمعيات، واتحادات، ومجالس، ومبادرات اندماج، وحوارات مع الدولة. هذا المسار طبيعي في أي مجتمع ديمقراطي. غير أن السؤال الحاسم كان دائمًا: من يمثل المسلمين؟ هل تمثل الجمعيات ذات القدرة التنظيمية الأعلى التنوع الحقيقي للمسلمين، أم تمثل الفاعلين الأكثر استعدادًا لملء فراغ الوساطة؟
تجد الدولة نفسها أمام معادلة عملية. المواطن الفرد لا يملك دائمًا قناة مباشرة إلى البلدية أو الحزب أو الوزارة. والجمعية المنظمة تبدو حلًا إداريًا سهلًا. لكنها قد تتحول، مع الوقت، إلى قناة احتكار. من هنا تبدأ هشاشة التمثيل. فالمسلمون غير المنخرطين في الجمعيات، والمسلمون الليبراليون، والنساء المستقلات، والجيلان الثاني والثالث، والمسلمون المختلفون ثقافيًا أو مذهبيًا، قد يصبحون خارج صورة «المخاطب المسلم» الذي تراه الدولة.
سابعًا: السؤال البرلماني الصغير بوصفه مؤشرًا لا دليلًا نهائيًا
يمثل السؤال البرلماني الصغير رقم 21/5514 لحظة كاشفة. فقد حمل عنوان «الخطر المحتمل لاختراق الأحزاب من قبل إسلاميين»، وطرح أسئلة على الحكومة الاتحادية حول مدى معرفتها بظواهر تأثير أو اختراق حزبي، وحول ما إذا كانت ترى أحزابًا معينة أكثر عرضة للتأثر بالإسلاميين، وحول ما إذا كانت الأجهزة الأمنية قد أصدرت تحذيرات للأحزاب خلال السنوات الخمس الماضية [1][2][3].
تتعامل هذه الدراسة مع الوثيقة بوعي مزدوج. فهي لا تمنحها صفة الدليل القضائي، ولا ترفض سؤالها لأن مصدره حزب يميني شعبوي. قيمتها البحثية تكمن في أنها تجبر الحكومة والأحزاب على مواجهة سؤال كان يتراكم في التقارير الأمنية والنقاشات المحلية: هل توجد قنوات تأثير ذات مرجعية دينية سياسية داخل المجال الحزبي والبلدي؟
تظهر أهمية الوثيقة في ثلاثة مستويات. الأول أنها تنقل الملف إلى الرقابة البرلمانية. الثاني أنها تربط هذا النمط بقنوات حزبية، لا بجمعيات دينية فقط. الثالث أنها تضغط باتجاه معرفة ما إذا كانت الدولة تملك أدوات وقائية لحماية الأحزاب من التأثير الأيديولوجي، من دون أن تتحول هذه الوقاية إلى رقابة على المواطنين المسلمين أو على مشاركتهم السياسية المشروعة.
ثامنًا: جماعة الإخوان والشبكات القريبة منها في التقدير الألماني
تحتل جماعة الإخوان المسلمين موقعًا مركزيًا في نقاش الإسلاموية القانونية؛ لأنها تمثل نموذجًا تاريخيًا للحركة التي تجمع بين الدعوة والتنظيم والسياسة. وتصف مؤسسة كونراد أديناور جماعة الإخوان في ألمانيا بأنها من أبرز فاعلي هذا المسار، وتشير إلى أنها لا تظهر غالبًا باسمها المباشر، بل من خلال شبكة واسعة من المنظمات والجمعيات، ما يسمح لفاعليها بتقديم أنفسهم بوصفهم ممثلين صادقين لمصالح المسلمين. وتذكر المؤسسة أن «الجمعية الإسلامية الألمانية» DMG، ومقرها برلين، تنشط على المستوى الاتحادي [9][10].
لا تعني هذه القراءة أن كل جمعية إسلامية جزء من شبكة إخوانية، ولا أن كل مسلم محافظ دينيًا يمثل خطرًا دستوريًا. لكنها تكشف نمطًا محددًا: فاعل جمعياتي يقدم نفسه بوصفه شريكًا دينيًا ومدنيًا، ويتحرك في الوقت ذاته داخل أفق أيديولوجي عابر للحدود. هنا يظهر الفرق بين التدين المحافظ، وهو حق فردي وجماعي، وبين المشروع السياسي الذي يسعى إلى تحويل التدين إلى نفوذ سياسي.
الأهم أن محدودية الرقم لا تعني محدودية الأثر. فالتأثير السياسي لا ينتج دائمًا من الكثافة العددية، بل من الموقع داخل الشبكة. عدد محدود من الأشخاص أو الجمعيات في مواقع وساطة وتمثيل قد يكون أكثر تأثيرًا من آلاف الأفراد خارج قنوات القرار المحلي والرمزي. لذلك تنتقل الدراسة من سؤال «كم عددهم؟» إلى سؤال «أين يتموضعون؟» و«ما القنوات التي يمتلكونها؟».
تاسعًا: آليات النفوذ — من الجمعية إلى الحزب
١. احتكار التمثيل
أولى آليات النفوذ هي احتكار التمثيل. حين تحتاج الدولة إلى مخاطب، يظهر الفاعل الأكثر تنظيمًا بوصفه الخيار الأسهل. ومع تكرار اللقاءات والفعاليات والمشاريع، يصبح هذا الفاعل مرجعًا ضمنيًا. لا يحدث الاحتكار عبر قرار رسمي، بل عبر الاعتياد: تُسأل الجمعية نفسها في كل ملف، وتُدعى إلى كل حوار، وتظهر في كل صورة، ثم تصبح جزءًا من تعريف الدولة للجالية.
هذا الاحتكار يهمش أصواتًا مسلمة أخرى. فالنساء المستقلات، والشباب غير المنظمين، والليبراليون، والعلمانيون، والمسلمون المختلفون مذهبيًا، قد لا يمتلكون بنى مؤسسية مماثلة. وبذلك لا تعكس الوساطة دائمًا الواقع الاجتماعي، بل تعكس القدرة التنظيمية.
٢. البلديات بوصفها بوابة النفوذ
البلديات هي نقطة التماس الأكثر حساسية. ففي المدارس، ومراكز الشباب، ومشاريع الاندماج، وبرامج مكافحة التمييز، والحوار الديني، تحتاج الإدارة المحلية إلى شركاء. هنا تستطيع الجمعيات المنظمة أن تبني نفوذًا تدريجيًا؛ عبر حضور ثابت، وشراكات صغيرة، وعلاقات شخصية، وقدرة على تعبئة جمهور محدد عند الحاجة.
هذا النمط لا يبدو خطرًا في لحظته الأولى. خطورته تراكمية. فكل علاقة محلية صغيرة قد تبدو عادية، لكنها، حين تتكرر في مدن وأحياء متعددة، تصنع شبكة نفوذ رخوة لا تشبه التنظيم المركزي التقليدي، لكنها قادرة على التأثير في الخطاب والقرار المحلي.
٣. خطاب مكافحة التمييز
يمثل خطاب مكافحة التمييز ضد المسلمين ضرورة ديمقراطية. فالعنصرية ضد المسلمين واقع قائم، ومواجهته واجب قانوني وأخلاقي. غير أن بعض الفاعلين الأيديولوجيين يحاولون توسيع هذا الخطاب بحيث يصبح نقد التوظيف السياسي للدين مساويًا للعداء للمسلمين.
هنا ينتقل الخطاب من حماية المواطن إلى حماية المشروع السياسي. والمعيار الصحيح لا يقوم على إضعاف مكافحة التمييز، بل على ضبطها: حماية كاملة للمسلمين من العنصرية، ومساءلة كاملة للمشروع السياسي الديني. كل خلط بين الأمرين يخدم طرفين متطرفين: الفاعل المؤدلج الذي يريد أن يجعل نقده عداءً للدين، واليميني الشعبوي الذي يريد أن يجعل الدين نفسه موضع اتهام.
٤. التمويل والواجهات
التمويل ليس مسألة إدارية فقط. إنه جزء من بنية النفوذ. الجمعية التي تدخل في شراكات عامة، أو تتلقى دعمًا، أو تعمل في التعليم والشباب والاندماج، تحتاج إلى شفافية عالية في مواردها وارتباطاتها. ولا يعني ذلك اتهامًا مسبقًا، بل شرطًا ديمقراطيًا عامًا: من يمارس دورًا عامًا يجب أن تكون أهدافه ومصادره واضحة.
في السياق الأوروبي، تبرز الشفافية المالية بوصفها أحد المفاتيح المشتركة. فالقضية لا تتعلق بمن يدفع فقط، بل بما ينتجه التمويل من سلطة تمثيلية، وبالارتباطات الخارجية أو الأيديولوجية التي قد يستمد منها الفاعل المحلي جزءًا من شرعيته.
٥. العمل داخل الأحزاب
الحديث عن «اختراق الأحزاب» يحتاج إلى دقة شديدة. الاختراق قد يوحي بصورة استخباراتية صارمة: تنظيم، أوامر، تسلل، بنية سرية. لكن التأثير السياسي قد يكون أكثر سيولة: أعضاء متعاطفون، شبكات علاقات، ضغط خطابي، تأثير في اختيار شركاء محليين، أو تحويل بعض المفاهيم إلى خطوط حمراء داخل النقاش الحزبي.
لذلك ينبغي للأحزاب أن تطور وعيًا داخليًا بهذا النمط، من دون إغلاق الباب أمام المسلمين المتدينين أو المحافظين. معيار المشاركة يجب أن يكون الالتزام بالدستور، والمساواة، وحرية الضمير، وحقوق الفرد، لا الخلفية الدينية.
عاشرًا: معضلة الدولة الألمانية
تملك ألمانيا أدوات قانونية لمواجهة التطرف. وقد استخدمت حظر الجمعيات في حالات محددة، وتعرض حماية الدستور قائمة بالمنظمات المحظورة في مجال الإسلام السياسي والإرهاب ذي الدافع الديني، استنادًا إلى قواعد حماية النظام الديمقراطي الحر.
في تموز/يوليو 2024، حظرت وزارة الداخلية الألمانية «المركز الإسلامي في هامبورغ» وعددًا من الكيانات التابعة له، ووصفت أيديولوجيته بأنها إسلاموية وشمولية [11]. تبيّن هذه الحالة أن الدولة قادرة على استخدام أدواتها القانونية عندما ترى أساسًا كافيًا للحظر.
غير أن الحظر لا يصنع سياسة كاملة. هذا النمط قادر على إعادة التشكل، وتغيير الأسماء، ونقل النشاط إلى جمعيات أو مبادرات جديدة. لذلك تحتاج الدولة إلى سياسة أوسع: شفافية تمويل، فحص شراكات، تعدد مخاطبين، تدريب البلديات والأحزاب، دعم أصوات مسلمة ديمقراطية، ومراجعة دائمة للعلاقة بين برامج الاندماج والفاعلين الجمعياتيين.
المعادلة الدقيقة هنا أن كل إجراء ضد المشروع السياسي الديني يجب أن يحمي المسلمين من التعميم. وكل صمت عنه يضر بالمسلمين أيضًا؛ لأنه يسمح لفاعلين أيديولوجيين بادعاء تمثيلهم. بهذا المعنى، حماية المسلمين وحماية الدستور مهمتان متلازمتان.
حادي عشر: مقارنة أوروبية محدودة
لا تنفصل ألمانيا عن السياق الأوروبي الأوسع. ففي فرنسا، نشرت وزارة الداخلية في 21 أيار/مايو 2025 تقريرًا بعنوان «الإخوان المسلمون والإسلاموية السياسية في فرنسا»، وأوضحت أن نشره جاء لتفسير ماهية هذه الظاهرة وتوعية الرأي العام بها، بعد تكليف عمل معمق لتوثيقها [12]. تختلف فرنسا عن ألمانيا بسبب تقليدها العلماني المركزي ومفهومها الصارم للجمهورية، لكنها تواجه سؤالًا قريبًا: كيف تعمل هذه الشبكات عبر الجمعيات، والمدارس، والمساجد، والتمثيل الديني؟
أما بريطانيا، فتتعامل مع الملف من زاوية مكافحة التطرف والوقاية. في المراجعة المستقلة لبرنامج Prevent، يظهر تركيز واضح على التحدي الأيديولوجي للتطرف، وعلى حاجة السياسات العامة إلى التعامل مع المسارات التي تقود إلى العنف أو دعمه أو تبريره [13]. ورغم اختلاف السياق البريطاني عن السياق الألماني، فإن التجربة البريطانية تكشف معضلة مشابهة: كيف تُصمم سياسات وقائية فعالة من دون أن تتحول إلى آلية وصم ديني أو عرقي؟
تكشف المقارنة أن الأدوات تختلف، لكن السؤال الأوروبي واحد: كيف تحمي الديمقراطية نفسها من نمط يعمل داخل القانون ويستثمر المجتمع المفتوح، من دون أن تتحول إلى دولة اشتباه تجاه المسلمين؟ ألمانيا تميل إلى حماية الدستور والفدرالية والرقابة المؤسسية. فرنسا تميل إلى مركزية الدولة والعلمانية الصارمة. بريطانيا تعمل عبر الوقاية ومكافحة التطرف. اختلاف الأدوات لا يلغي وحدة المعضلة.
ثاني عشر: خطر توظيف اليمين الشعبوي للملف
يدخل حزب «البديل من أجل ألمانيا» إلى هذا النقاش من موقع سياسي إشكالي. فهو يوظف قضايا الهجرة والإسلام والأمن في خطابه العام. لذلك لا يمكن التعامل مع سؤاله البرلماني بوصفه نصًا محايدًا بالكامل. غير أن رفض الأسئلة بسبب الجهة التي طرحتها يفتح ثغرة أخرى. فالأسئلة المتعلقة بهذا النمط، والتمويل، والتمثيل، والشراكات الحزبية، وأساليب التأثير، أسئلة مشروعة إذا صيغت بلغة دستورية دقيقة.
المطلوب تحرير السؤال من حامله السياسي. على الوسط الديمقراطي أن يستعيد نقد المشروع السياسي الديني من اليمين الشعبوي. حين يترك هذا الملف لليمين، يفقد النقد مشروعيته لدى قطاعات واسعة من المسلمين والليبراليين واليسار. وحين ينسحب الوسط خوفًا من الاتهام، تتحرك الشبكات المؤدلجة بكلفة أقل.
السياسة الرشيدة تقوم على مسار ثالث: نقد المشروع السياسي الديني، وحماية المسلمين بوصفهم مواطنين وأفرادًا وجماعات دينية متنوعة. الفاعل المؤدلج يريد أن يجعل كل نقد عداءً للمسلمين. واليميني الشعبوي يريد أن يجعل كل مسلم مشروع خطر. الديمقراطية الدستورية ترفض المعادلتين معًا.
ثالث عشر: توصيات تنفيذية
١. تعدد المخاطبين بدل المخاطب الواحد
المشكلة أن البلديات والأحزاب تميل إلى الشريك الأكثر تنظيمًا، لا إلى الأكثر تمثيلًا. الآلية المقترحة هي اعتماد قاعدة «تعدد الشركاء» في كل مشروع حوار أو اندماج أو مكافحة تمييز، بحيث لا تُمنح أي جمعية صفة الممثل الوحيد للمسلمين. الجهة المعنية هي البلديات والوزارات المحلية والأحزاب. شرط النجاح هو وجود قاعدة بيانات مفتوحة وشفافة للفاعلين المسلمين المختلفين، مع إشراك النساء والشباب والمستقلين والاتجاهات غير المنظمة. مؤشر القياس هو تنوع الشركاء في المشاريع العامة، لا عدد الاجتماعات وحده.
٢. شفافية التمويل والارتباطات
المشكلة أن التمويل قد ينتج سلطة تمثيلية من دون أن تُعرف مصادره أو امتداداته. الآلية هي اشتراط إفصاح مالي ومعياري لكل جمعية تدخل في شراكات عامة أو برامج ممولة. لا يعني ذلك الاشتباه المسبق، بل وضع معيار موحد لكل فاعل يؤدي وظيفة عامة. الأطراف المعنية هي وزارات الداخلية والاندماج والبلديات وهيئات الرقابة المالية. شرط النجاح أن يُطبق المعيار على الجميع، لا على الجمعيات الإسلامية فقط، منعًا للوصم. مؤشر القياس هو نسبة المشاريع الممولة التي تنشر بيانات تمويل وشراكة قابلة للتدقيق.
٣. تدريب الأحزاب والبلديات على التمييز المفاهيمي
المشكلة أن ضعف المعرفة يجعل المسؤول المحلي بين خطرين: الشراكة غير المشروطة أو الاشتباه الواسع. الآلية هي برامج تدريب قصيرة للأحزاب والبلديات حول الفرق بين الإسلام، والتدين المحافظ، والإسلاموية، والتطرف العنيف، والإسلاموية القانونية. الجهة المعنية هي مؤسسات التثقيف السياسي، ومكاتب حماية الدستور على مستوى الولايات ضمن حدودها القانونية، ومراكز التدريب الحزبي. مؤشر القياس هو إدراج هذه المواد في دورات المرشحين المحليين وموظفي الاندماج والحوار الديني.
٤. حماية المسلمين من العنصرية بوصفها شرطًا للمواجهة
المشكلة أن الخطاب الشعبوي يضعف القدرة على نقد الإسلاموية لأنه يخلط بينها وبين المسلمين. الآلية هي ربط أي سياسة لمواجهة المشروع السياسي الديني بسياسة صريحة ضد العنصرية المعادية للمسلمين. الأطراف المعنية هي الحكومة الاتحادية والولايات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني. شرط النجاح أن يظهر التفريق في اللغة الرسمية والإعلامية: نقد الإسلاموية بوصفها مشروعًا سياسيًا، وحماية المسلمين بوصفهم مواطنين وأفرادًا وجماعات دينية متنوعة. مؤشر القياس هو تراجع الخلط في البيانات العامة وخطابات الأحزاب وبرامج التوعية.
٥. مراجعة الشراكات العامة لا تجريمها
المشكلة ليست في وجود الشراكات، بل في تحولها إلى قنوات اعتراف غير مشروط. الآلية هي مراجعة دورية للشراكات العامة مع الفاعلين الدينيين والمدنيين، تشمل أهداف المشروع، وشفافية الشريك، والتزامه بالدستور، وموقفه من المساواة وحرية الضمير وحقوق الفرد. لا ينبغي أن تكون المراجعة عقابية ابتداءً، بل تصحيحية ووقائية. مؤشر القياس هو وجود آلية مراجعة معلنة لكل شراكة تتجاوز مدة محددة أو تمويلًا عامًا معينًا.
رابع عشر: النتائج المركبة
النتيجة 1: النمط القانوني يعمل شبكة وساطة قبل أن يكون كتلة عددية. تكشف الحالة الألمانية أن عدد المنتمين أو المؤيدين لا يكفي لقياس التأثير. فالدلالة البحثية تكمن في قدرة الفاعلين المنظمين على احتلال مواقع التمثيل والحوار والشراكة.
النتيجة 2: الخطر المؤسسي الناعم يعمل بمنطق الاعتياد لا بمنطق الصدام. لا يحتاج هذا النمط إلى إعلان مواجهة مع الدولة. يكفي أن يصبح جزءًا طبيعيًا من قنوات الحوار، وأن يعتاد السياسي المحلي والإعلام والمؤسسات على المرور عبره كلما طُرح سؤال الجالية المسلمة.
النتيجة 3: الأحزاب والبلديات تمثل نقاط الضعف الأكثر حساسية. الدولة المركزية تملك خبرة قانونية وأمنية أوسع، أما البلديات والأحزاب المحلية فتعمل غالبًا تحت ضغط الحاجة إلى شركاء اجتماعيين. هناك تظهر قابلية التأثير عبر تراكم علاقات صغيرة لا عبر قرار كبير واحد.
النتيجة 4: نقد الإسلام السياسي يفشل حين يحتكره اليمين الشعبوي. عندما يحتكر اليمين هذا النقد، يتراجع استعداد قطاعات واسعة لقبوله، حتى حين يستند إلى مؤشرات جدية. وعندما ينسحب الوسط الديمقراطي من الملف، تتحرك الشبكات المؤدلجة ضمن هامش أوسع.
النتيجة 5: حماية المسلمين شرط منهجي لمواجهة النمط القانوني. كل سياسة تخلط بين الإسلام والمشروع السياسي الديني تمنح الإسلامويين فرصة تقديم أنفسهم بوصفهم حماة جماعة مستهدفة. لذلك تنجح المواجهة حين تقترن بمكافحة العنصرية ضد المسلمين وبحماية حرية الدين.
النتيجة 6: الحظر ضروري في حالات محددة، لكنه لا يشكل سياسة كاملة. الحظر يعالج الكيانات التي تنطبق عليها شروط قانونية صارمة. أما الشبكات القانونية الرخوة فتحتاج إلى شفافية، وتدقيق شراكات، وتعدد مخاطبين، ورصد طويل الأمد.
النتيجة 7: الحالة الألمانية جزء من سؤال أوروبي أوسع. تختلف النماذج الأوروبية في الأدوات، لكن فرنسا وبريطانيا وألمانيا تواجه سؤالًا متقاربًا: كيف تتعامل الديمقراطية مع تيارات تتحرك داخل القانون وتستثمر المجتمع المفتوح لبناء نفوذ سياسي وديني؟
خامس عشر: ضبط نطاق الاستنتاج ومنع سوء الفهم
تنسب الدراسة الخطر إلى النمط القانوني المدروس، لا إلى المسلمين في ألمانيا، ولا إلى الجمعيات الإسلامية بوصفها مجالًا واحدًا. كما تتعامل مع السؤال البرلماني الصغير رقم 21/5514 بوصفه وثيقة مساءلة ومؤشرًا على قلق مؤسسي، لا حكمًا قضائيًا ولا دليلًا مكتملًا على اختراق حزبي منظم.
نطاق التحليل أضيق وأكثر دقة: فحص الطريقة التي تستخدم بها شبكات أيديولوجية أدوات التمثيل، والوساطة، وخطاب الحقوق، والشراكات المحلية لبناء نفوذ سياسي ورمزي. بهذا المعنى، يتجه النقد إلى مشروع أيديولوجي، لا إلى دين أو جماعة دينية.
تمنع الدراسة ثلاثة أشكال من سوء الاستخدام. الأول استخدام النص لتعميم الشبهة على المسلمين أو الجمعيات الإسلامية. الثاني استخدامه لتبرير تردد الدولة في مكافحة العنصرية ضد المسلمين. الثالث استخدامه لتجريم المشاركة السياسية للمسلمين المتدينين أو المحافظين. المعيار الحاسم ليس الهوية الدينية، بل الالتزام بالدستور، والمساواة، وحرية الضمير، وحقوق الفرد، ورفض احتكار التمثيل الديني أو السياسي.
الخلاصة المنهجية أن المشروع السياسي الديني يُنتقد بوصفه مشروعًا سياسيًا، وأن المسلمين يُحمون بوصفهم مواطنين وأفرادًا وجماعات دينية متنوعة. الفشل في هذا التفريق هو الثغرة التي تستفيد منها الشبكات المؤدلجة واليمين الشعبوي في الوقت نفسه.
خاتمة.
تدل الحالة الألمانية على أن الديمقراطية تواجه النمط القانوني المؤدلج عند حدود التمثيل والاعتراف والوساطة، لا عند حدود الأمن وحده. فالتيارات التي تعمل داخل القانون لا تحتاج إلى الصدام مع الدولة كي تؤثر فيها. يكفيها أن تصبح جزءًا من قنوات الحوار، وأن تقدم نفسها بوصفها المخاطب المنظم للمسلمين، وأن تستثمر حساسية النقاش حول العنصرية والتمييز لتقليل كلفة النقد السياسي الموجه إليها.
لا يضع هذا الاستنتاج المسلمين في موضع الاشتباه. على العكس، يثبت أن حماية المسلمين من التعميم والوصم شرط أساسي لحماية الديمقراطية نفسها. فالشبكات المؤدلجة تستفيد من كل خطاب يخلط بينها وبين المسلمين، كما يستفيد اليمين الشعبوي من كل تردد في نقدها. وبين الطرفين تضيع المنطقة الدستورية التي تحتاج إليها ألمانيا: منطقة تفصل بين الدين والتوظيف السياسي للدين، وبين الحق في التدين ومحاولة احتكار التمثيل، وبين مكافحة العنصرية ومنح الحصانة لمشاريع أيديولوجية.
تكمن مساهمة هذه الدراسة في نقل النقاش من سؤال «هل توجد شبكات ذات مشروع ديني سياسي؟» إلى سؤال أكثر دقة: كيف تتحول هذه الشبكات إلى وسائط بين الدولة والجاليات؟ وكيف يمكن للديمقراطية الدفاعية أن تواجه هذا التحول بأدوات قانونية وسياسية لا تظلم المسلمين ولا تترك المجال العام مفتوحًا أمام شبكات مؤدلجة؟
الجواب لا يقوم على الحظر وحده، ولا على الشراكة غير المشروطة، ولا على الخطاب الشعبوي. يقوم على سياسة مركبة: شفافية التمويل، وتعدد الشركاء المسلمين، وفحص الشراكات العامة، وتدريب البلديات والأحزاب، وحماية حرية الدين، وتجريم الكراهية ضد المسلمين، مع مراقبة الفاعلين الذين يستخدمون الدين لبناء نفوذ سياسي مناقض لمبادئ النظام الدستوري. بهذا المعنى، تكون الديمقراطية الدفاعية سياسة ضد احتكار الدين سياسيًا، وضد استخدام المجتمع المفتوح لإضعاف شروط انفتاحه.
مراجع مختارة
[1] Deutscher Bundestag، Drucksache 21/5514، Mögliche Gefahr der Parteienunterwanderung durch Islamisten، 22 نيسان/أبريل 2026. الرابط: https://dserver.bundestag.de/btd/21/055/2105514.pdf
[2] Deutscher Bundestag، Mögliche Parteienunterwanderung durch Islamisten، hib 347/2026، 24 نيسان/أبريل 2026. الرابط: https://www.bundestag.de/presse/hib/kurzmeldungen-1167534
[3] Deutscher Bundestag، DIP، صفحة الوثيقة 21/5514، Kleine Anfrage der AfD-Fraktion. الرابط: https://dip.bundestag.de
[4] Bundesamt für Verfassungsschutz، Begriff und Erscheinungsformen: Islamismus. الرابط: https://www.verfassungsschutz.de
[5] Bundesamt für Verfassungsschutz، Zahlen und Fakten: Islamismus und islamistischer Terrorismus، بيانات 2024. الرابط: https://www.verfassungsschutz.de
[6] Bundeszentrale für politische Bildung، Aus Politik und Zeitgeschichte: Islamismus، 2025. الرابط: https://www.bpb.de/shop/zeitschriften/apuz/islamismus-2025/
[7] Murat Kayman، Nicht von dieser Welt: Muslimisches Selbstverständnis, Islamismus und die Rolle der Islamverbände، bpb، 2025. الرابط: https://www.bpb.de/shop/zeitschriften/apuz/islamismus-2025/561180/nicht-von-dieser-welt/
[8] Michael Kiefer، Islamismus in Deutschland: Entstehung, Strukturen und gesellschaftliche Debatten، bpb، 2025. الرابط: https://www.bpb.de/shop/zeitschriften/apuz/islamismus-2025/561178/islamismus-in-deutschland/
[9] Konrad-Adenauer-Stiftung، Die Muslimbruderschaft in Deutschland. الرابط: https://www.kas.de/de/web/extremismus/islamismus/die-muslimbruderschaft-in-deutschland
[10] Konrad-Adenauer-Stiftung، Die Muslimbruderschaft im Westen، Analysen & Argumente، 2020. الرابط: https://www.kas.de
[11] Bundesministerium des Innern und für Heimat، قرار حظر Islamisches Zentrum Hamburg e.V. وكياناته التابعة، 24 تموز/يوليو 2024. الرابط: https://www.bmi.bund.de
[12] Ministère de l’Intérieur، فرنسا، Frères musulmans et islamisme politique en France، 21 أيار/مايو 2025. الرابط: https://www.interieur.gouv.fr/actualites/dossiers-de-presse/publication-du-rapport-freres-musulmans-et-islamisme-politique-en-france
[13] UK Home Office، Independent Review of Prevent، 2023، والتقرير المرحلي لعام 2024. الرابط: https://www.gov.uk/government/publications/independent-review-of-prevents-report-and-government-response




































