- المركز العربي الأوروبي للدراسات السياسية والاجتماعية EUARSC
- وقف النار المجزأ: إيران ولبنان وحدود الضغط الأمريكي
- تقدير مسار الرد الإيراني ومحاولة إسرائيل منع ربط الساحات
- إعداد: ميسرة بكور
- تاريخ إقفال البيانات: ٨ حزيران/يونيو ٢٠٢٦
- حدود المعرفة: الأزمة جارية، لذلك صيغت الوقائع المتحركة كتقديرات واحتمالات، وثُبتت المراجع حتى تاريخ الإقفال.
-
مدخل
لم يكن إطلاق الصواريخ الإيرانية على إسرائيل بعد استهداف الضاحية الجنوبية ومناطق نفوذ حزب الله ردًا عسكريًا موضعيًا فحسب؛ بل كان فعلًا سياسيًا متعدد الاتجاهات. أرادت طهران أن تقول لإسرائيل إن الحزب ليس ساحة مكشوفة، وأن تقول للحكومة اللبنانية إن مسار التفاوض على حصر السلاح لن يمر بمعزل عن حساب إيران، وأن تقول لسوريا وواشنطن إن أي دور خارجي في تضييق قوة الحزب سيُقرأ جزءًا من الاشتباك الإقليمي، وأن تقول للدول العربية، ولا سيما الخليجية، إن حماية الحلفاء لم تعد تدار دائمًا من الظل أو عبر الوكلاء فقط.
غير أن الرد الإسرائيلي اللاحق، مقرونًا باستمرار العمليات في لبنان، منع تحويل الرسالة الإيرانية إلى قاعدة اشتباك مستقرة. قبلت إسرائيل، تحت ضغط أمريكي، خفض المواجهة المباشرة مع إيران، لكنها لم تقبل أن ينسحب ذلك تلقائيًا على حزب الله. من هنا لا تنبع أهمية الجولة من حجم النار وحده، بل من السؤال الذي فتحته: هل تنجح إيران في وصل الساحات، أم تنجح إسرائيل وواشنطن في تجزئة وقف النار بين جبهة مباشرة قابلة للضبط، وجبهة لبنانية قابلة للاستمرار؟
هذه الورقة لا تتعامل مع وقف الضربات بين إيران وإسرائيل بوصفه نهاية حدث، بل بوصفه اختبارًا سياسيًا لمعنى التهدئة. فالوقف الذي لا يشمل لبنان عمليًا ليس وقفًا إقليميًا كاملًا، بل صيغة إدارة للكلفة: تخفيف خطر الحرب المباشرة بين الدول، مع إبقاء الحليف اللبناني تحت ضغط قابل للإنكار والقياس والتفاوض.
-
الخلاصة التنفيذية
ينتهي التقدير إلى أن وقف الهجمات المباشرة بين إيران وإسرائيل لا يؤسس، بصيغته الراهنة، لاحتواء مكتمل. إنه أقرب إلى وقف نار مجزأ: تنخفض فيه كلفة المواجهة المباشرة بين الدولتين، بينما تبقى ساحة لبنان مفتوحة لضربات محسوبة، وتهديدات متبادلة، ومفاوضات غير مكتملة على الأمن والسلاح والسيادة.
أرادت إيران، عبر الرد على إسرائيل عقب استهداف الضاحية، رفع كلفة التعامل مع حزب الله بوصفه ملفًا لبنانيًا داخليًا أو مشكلة حدودية إسرائيلية. الرسالة لم تتجه إلى تل أبيب وحدها؛ بل إلى بيروت، ودمشق، وواشنطن، والعواصم العربية التي تراقب ما إذا كانت طهران قادرة على حماية حليفها علنًا لا عبر الإسناد غير المباشر فقط.
في المقابل، أدى الرد الإسرائيلي وظيفة سياسية محددة: منع إيران من تثبيت قاعدة تقول إن استهداف حزب الله يستجلب تلقائيًا ردًا إيرانيًا مباشرًا من دون كلفة. وقد عزز استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان بعد وقف الهجمات المباشرة هذا المعنى، إذ ردت إسرائيل على إيران في ساحة، وأكملت رسالتها في ساحة أخرى.
الترجيح، خلال أفق من ٣٠ إلى ٩٠ يومًا، هو استمرار وقف مباشر هش بين إيران وإسرائيل، مع بقاء لبنان ساحة اختبار. سيبقى المسار قابلًا للانفجار إذا وقعت ضربة ذات قيمة رمزية عالية في الضاحية أو الجنوب، أو إذا وجدت طهران أن صمتها يضعف صدقية حماية الحزب، أو إذا أرادت إسرائيل إثبات أن الضغط الأمريكي لا يمنعها من العمل في الساحة اللبنانية.
الحكم العملي أن لبنان لا يحتاج إلى إعلان تهدئة عام بقدر ما يحتاج إلى بند لبناني محدد داخل أي تفاهم إقليمي: وقف انتهاكات، دور واضح للجيش، آلية تحقق، وضمانة تمنع تحويل الدولة إلى مسرح رسائل بين إيران وإسرائيل.
-
السؤال والفرضية: ما الذي تختبره الجولة؟
السؤال المركزي: هل يكشف وقف الضربات بين إيران وإسرائيل احتواءً حقيقيًا، أم نموذجًا مجزأً يوقف الجبهة المباشرة ويترك لبنان ساحة اختبار؟
الفرضية الحاكمة: الرد الإيراني على إسرائيل بعد استهداف الضاحية كان محاولة لربط أمن حزب الله بردع إيراني معلن، بينما كان الرد الإسرائيلي واستمرار العمليات في لبنان محاولة مضادة لمنع هذا الربط من التحول إلى قاعدة مستقرة.
تُختبر هذه الفرضية عبر ثلاثة أسئلة فرعية: هل وُجه الرد الإيراني إلى أكثر من مخاطب؟ هل منع الرد الإسرائيلي إيران من فرض معادلة حماية كاملة للحزب؟ وهل يستطيع الضغط الأمريكي تحويل وقف النار المجزأ إلى قاعدة أوسع تشمل لبنان؟
القيمة المنهجية لهذا الاختبار أنه يمنع النص من الانزلاق إلى سرد خبري. كل واقعة تُقرأ هنا بوصفها مؤشرًا على قاعدة ردع أو محاولة فصل أو إدارة كلفة، لا بوصفها خبرًا مستقلًا مكتفيًا بذاته.
-
تعميق نقاش الفرضية: الربط بوصفه معركة تعريف
لا تقوم الفرضية على سؤال من أطلق النار أولًا، بل على سؤال أكثر حسمًا: من يملك تعريف العلاقة بين ضربة تقع في لبنان ورد يخرج من إيران أو يتجه إلى إسرائيل؟ هنا يصبح الربط فعلًا سياسيًا قبل أن يكون مسارًا عسكريًا. فإذا قُبلت الضربة في الضاحية أو الجنوب بوصفها شأنًا لبنانيًا منفصلًا، خسرت إيران جزءًا من قدرة الحماية. وإذا قُبل الرد الإيراني بوصفه امتدادًا طبيعيًا لحماية حزب الله، خسرت إسرائيل هامش الفصل الذي تحتاج إليه في لبنان.
لهذا لا تسعى إيران إلى ربط آلي جامد؛ فالربط الآلي يجرها إلى ردود متتالية قد لا تملك كلفتها. ما تختبره طهران هو ربط انتقائي: أن تترك لإسرائيل مساحة محدودة كي لا تنفجر الحرب، وأن تمنع في الوقت نفسه تحويل حزب الله إلى هدف بلا مظلة سياسية. هذا يفسر لماذا تبدو الرسالة الإيرانية أعلى من قدرة الردع الكامل وأدنى من قرار الحرب المفتوحة.
في المقابل، لا تسعى إسرائيل إلى إنكار نفوذ إيران وحده، بل إلى منع هذا النفوذ من التحول إلى قاعدة اشتباك ملزمة. تريد تل أبيب أن تقول إن وقف الضربات مع إيران لا يساوي وقف الضغط على حزب الله. وتريد واشنطن، من موقع مختلف، أن تضبط سقف النار من دون أن تتحول إلى ضامن تفصيلي لكل ساحة. لذلك تختبر الفرضية ثلاثة مستويات معًا: قدرة إيران على الوصل، وقدرة إسرائيل على الفصل، وقدرة الولايات المتحدة على منع الفصل من التحول إلى انفجار.
-
اختبار مباشر للفرضية
١. ثبت بدرجة عالية أن الرد الإيراني كان متعدد الرسائل. اختيار الرد المباشر على إسرائيل بعد ضربات في الضاحية نقل الحدث من نطاق الانتقام العسكري إلى نطاق حماية موقع حزب الله في التفاوض اللبناني والإقليمي.
٢. لم تثبت إيران معادلة حماية كاملة. فقد رفعت كلفة استهداف الحزب، لكنها لم تمنع إسرائيل من الرد عليها أو من مواصلة الضغط داخل لبنان. الفارق هنا جوهري: رفع الكلفة ورقة تفاوض، أما الحماية الكاملة فقاعدة ردع مستقرة، وهذه لم تتحقق.
٣. ثبت جزئيًا فقط أن الضغط الأمريكي يضبط السقف. واشنطن أثرت في وقف الضربات المباشرة بين إيران وإسرائيل، لكنها لم تغلق الساحة اللبنانية. لذلك يعمل الضغط الأمريكي، حتى الآن، كأداة تجزئة للنار أكثر مما يعمل كآلية إطفاء شامل.
٤. عزز تحديث الوقائع هذا الحكم بدل أن ينقضه. إعلان وقف الضربات المباشرة لم يلغ استمرار النزاع حول لبنان، بل جعل الشرط اللبناني أكثر وضوحًا: أي وقف بين الدولتين يبقى ناقصًا ما لم يحدد ما إذا كان يشمل حزب الله، والجنوب، والضاحية، وآلية التحقق من الخرق.
حصيلة الاختبار تؤكد الفرضية الأساسية: التهدئة ليست شاملة؛ إنها توزيع جديد للكلفة بين ساحة مباشرة مضبوطة وساحة لبنانية مفتوحة على ضغط محدود قابل للانفجار.
-
السياق والتحليل
-
الواقعة المؤسسة: رد على لبنان عبر إسرائيل
تبدأ الواقعة من بيروت لا من طهران. جاءت الضربات الإيرانية على إسرائيل، وفق تقارير متقاطعة، بعد استهداف إسرائيلي لمواقع في الضاحية الجنوبية ومناطق مرتبطة بحزب الله. لذلك لا يكفي وصفها بأنها مواجهة إيرانية إسرائيلية جديدة؛ فهي رد على فعل وقع في لبنان، لكن أداة الرد اختيرت ضد إسرائيل مباشرة.
هذه الصيغة هي جوهر المسألة. طهران لم ترد عبر حليفها فقط، بل استخدمت فعلًا مباشرًا لتقول إن موقع حزب الله في معادلتها لا يزال يتجاوز الحدود اللبنانية. والهجوم على الضاحية أو الجنوب لا يُقرأ، في هذا المنطق، كحادثة موضعية داخل لبنان، بل كاختبار لمدى قبول الأطراف بفصل الحزب عن البيئة الإقليمية التي تحميه.
غير أن إسرائيل ردت بسرعة كافية لمنع تحويل الرسالة إلى قاعدة. صحيح أن الرد الإسرائيلي لم يصل إلى حرب مفتوحة، لكنه أدى وظيفة سياسية واضحة: أي رد إيراني مباشر سيستجلب ردًا مباشرًا، وأي تهدئة مع إيران لا تعني وقفًا تلقائيًا للعمليات في لبنان. بهذه الطريقة حُول وقف النار من معادلة واحدة إلى ملفين: إيران تحت سقف الضغط الأمريكي، ولبنان تحت سقف الأمن الإسرائيلي.
-
رسائل إيران الأربع: بيروت ودمشق والعرب قبل تل أبيب
الرسالة إلى الحكومة اللبنانية: بيروت تتحرك، برعاية أمريكية، داخل مسار يربط التهدئة بسيطرة الجيش اللبناني وإقصاء الفاعلين المسلحين غير الدولتيين من مناطق محددة. عندما ترد إيران على إسرائيل بسبب الضاحية، فهي تقول للحكومة اللبنانية إن حصر السلاح لا يمكن أن يدار كملف داخلي منفصل عن توازنات الإقليم.
الرسالة إلى سوريا والولايات المتحدة: تداولت تقارير فكرة دور سوري محتمل في شرق لبنان للمساعدة في الضغط على حزب الله، مع نفي أمريكي لصيغتها. حتى مع النفي، يكشف تداول الفكرة أن جغرافيا الضغط على الحزب لم تعد لبنانية إسرائيلية فقط. الرد الإيراني يضع حدًا سياسيًا لهذا النوع من الهندسة: أي مساهمة في نزع أو تضييق قوة الحزب قد تُقرأ في طهران كجزء من مواجهة أوسع.
الرسالة إلى الدول العربية والخليجية: أرادت إيران إظهار أن حماية الحليف ليست شعارًا أيديولوجيًا أو تفويضًا لوكلاء محليين فقط، بل قرار يمكن أن يصدر من المركز. لا يعني ذلك قدرة غير محدودة، لكنه يعني أن دول الخليج لا تستطيع قراءة التهدئة المقبلة بوصفها تفاهمًا أمريكيًا إسرائيليًا منفصلًا عن نفوذ إيران في لبنان والعراق واليمن وسوريا.
الرسالة إلى إسرائيل: مضمونها أن الضغط على حزب الله لن يبقى دائمًا دون كلفة إيرانية. لكن هذه الرسالة بقيت ناقصة؛ لأن إسرائيل ردت، ثم واصلت العمل في لبنان. لذلك لم تنجح إيران في فرض حماية كاملة للحزب، بل نجحت في رفع سعر الاقتراب منه. وبين الحماية الكاملة ورفع السعر فرق جوهري: الأولى قاعدة ردع، والثانية ورقة تفاوض.
-
إسرائيل: منع القاعدة لا الاكتفاء بالرد
لم يكن الرد الإسرائيلي مهمًا بسبب قوته العسكرية وحدها. أهميته أنه قطع الطريق على معادلة كانت إيران تختبرها: استهداف حزب الله يستدعي ردًا إيرانيًا مباشرًا، ثم تقبل إسرائيل وقف النار كي تتجنب التصعيد. لو اكتفت تل أبيب بقبول الوقف من دون رد أو من دون استمرار عملياتها في لبنان، لكانت طهران أقرب إلى إعلان نجاح المعادلة.
هذا ما يفسر إصرار إسرائيل على مواصلة العمليات في لبنان بعد إعلان وقف الهجمات على إيران. فهي لا تريد أن تتحول استجابتها للضغط الأمريكي إلى تنازل لبناني. في حسابها، جبهة إيران تهدد مصالح واشنطن ومسار التفاوض النووي والإقليمي، أما جبهة لبنان فتُقدم داخليًا بوصفها أمنًا حدوديًا مباشرًا.
إلا أن هذا الخيار يفتح مأزقًا متكررًا. كل ضربة إسرائيلية في لبنان تمنح إيران فرصة جديدة لاختبار الربط، وكل رد إيراني مباشر يمنح إسرائيل مبررًا لتجديد الفصل. هكذا يتحول لبنان إلى ساحة اختبار دورية، لا إلى جبهة قابلة للتهدئة الكاملة.
-
واشنطن: سقف للتصعيد لا ضمانة للساحات
يمتلك الضغط الأمريكي أثرًا واضحًا عند عتبة المواجهة الإيرانية الإسرائيلية المباشرة. تستطيع واشنطن أن تربط استمرار الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل بكلفة توسيع الحرب، وأن تعرض على طهران مسارًا تفاوضيًا يمنحها سببًا لعدم التصعيد. لكن هذه القدرة تنخفض عندما ينتقل الاختبار إلى لبنان؛ لأن إسرائيل ترى الساحة اللبنانية امتدادًا لأمنها الحدودي، وترى إيران أن حزب الله امتداد لوزنها التفاوضي.
لذلك لا تعمل واشنطن هنا كمهندس تسوية مكتملة، بل كمدير سقف. تستطيع منع الضربة التي تهدد بنقل الإقليم إلى حرب مفتوحة، لكنها لا تملك وحدها تثبيت قواعد تفصيلية في جنوب لبنان أو الضاحية. والنتيجة أن الضغط الأمريكي ينجح في تجزئة النار أكثر مما ينجح في إطفائها: يوقف أو يؤخر التصعيد الأكبر، ويترك التصعيد الأصغر قابلًا للاستمرار.
الهدنة التي لا تميز بين ضربة دفاعية، وضربة استنزاف، وضربة رمزية في الضاحية، وخرق من الجنوب، ستبقى قابلة للتفسير من كل طرف. وفي أزمات الردع، الغموض لا يحمي دائمًا؛ قد يمنح الأطراف مساحة للإنكار، لكنه يمنحها أيضًا مساحة للانزلاق.
-
الحكومة اللبنانية: احتكار السلاح وكلفة الإقليم
تجد الحكومة اللبنانية نفسها في الموقع الأضعف والأكثر حساسية. فهي مطالبة داخليًا ودوليًا بتثبيت مبدأ حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز دور الجيش، لكنها لا تملك وحدها شروط تنفيذ هذا المبدأ إذا بقيت إسرائيل تضرب، وإذا بقيت إيران تقدم حزب الله كحليف محمي.
الخطأ المحتمل هو أن تُدار مسألة سلاح حزب الله بوصفها إجراءً أمنيًا منفصلًا عن وقف الانتهاكات والضمانات والحدود. الجيش اللبناني يستطيع توسيع حضوره في مناطق محددة، لكنه لا يستطيع أن يتحول إلى بديل سياسي عن اتفاق أوسع. إذا استمر القصف الإسرائيلي واستمرت إيران في ربط الحزب بردعها، قد يظهر حصر السلاح كأنه مطلب خارجي أكثر منه مشروع دولة.
غير أن هذا لا يمنح حزب الله حق تعطيل الدولة. فربط السلاح بالحماية الإيرانية يضع لبنان أمام مأزق سيادي مقابل: كلما ظهر الحزب جزءًا من قرار إيراني مباشر، ضعفت قدرة الدولة على مخاطبة العالم بوصفها صاحبة القرار الأمني. بهذا المعنى، يمنح الرد الإيراني الحزب حماية سياسية، لكنه يحمله كلفة لبنانية لأنه يثبت لخصومه أن السلاح ليس ملفًا داخليًا فقط.
-
سوريا: حدود الدور الممكن وحدود الرسالة الإيرانية
إدخال سوريا في النقاش لا يعني الجزم بوجود خطة نهائية لتدخل عسكري سوري في لبنان. المعطى الأكثر ضبطًا أن تقارير نقلت عن مصادر أن واشنطن شجعت دمشق على بحث دور في شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح حزب الله، ثم نُفيت الصيغة أمريكيًا. لذلك يجب التعامل مع المسألة بوصفها مؤشرًا على التفكير في توسيع أدوات الضغط، لا بوصفها سياسة معلنة ومستقرة.
حتى بهذا المستوى، تصل الرسالة الإيرانية إلى دمشق. فالنظام السوري، الساعي إلى تثبيت استقراره بعد سنوات اضطراب، لا يستطيع تجاهل أن أي دور مباشر ضد حزب الله قد يعرضه لضغط إيراني أو لتوتر داخلي. وواشنطن، إن أرادت استخدام سوريا جزءًا من هندسة الضغط على الحزب، ستحتاج إلى حساب كلفة فتح جبهة سياسية جديدة.
الأكثر واقعية أن يبقى الدور السوري، إذا حضر، في ضبط الحدود والقنوات الأمنية لا في مواجهة مفتوحة مع حزب الله. إدخال دمشق في مهمة نزع السلاح سيحول المسألة من ترتيبات لبنانية إلى صراع إقليمي متعدد الحدود، وقد يمنح إيران سببًا إضافيًا لتصعيد رسالتها.
-
الخليج العربي: التعامل مع إيران كفاعل مباشر لا كظل للوكلاء
المعنى الخليجي للجولة لا يتعلق بلبنان وحده. عندما تقرر إيران الرد مباشرة على إسرائيل بسبب استهداف حليفها في لبنان، فهي ترسل إشارة إلى كل دولة عربية تراهن على أن التفاهم مع واشنطن أو إسرائيل يكفي لعزل ساحات النفوذ الإيرانية. الرسالة أن طهران لا تقبل أن تُدار ملفات حلفائها كما لو كانت ملفات محلية صرفة.
لكن الاعتراف بوزن إيران لا يعني قبول شروطها. الفرق بين الأمرين أساسي. على دول الخليج أن تتعامل مع إيران كفاعل لا يمكن تجاهله، لا كمرجعية أمنية تُمنح حق الفيتو على سيادة الدول العربية. لذلك يكون الرد الخليجي المتوازن هو بناء قناة تقدير ومخاطبة: ما حدود الدور الإيراني؟ ما قواعد عدم نقل الصراع إلى الممرات والطاقة؟ كيف يُحمى لبنان من أن يتحول إلى ورقة تفاوض؟ وكيف تُمنع إسرائيل من تحويل الاستثناء اللبناني إلى قاعدة دائمة؟
إذا تجاهلت دول الخليج هذا التحول، ستتعامل لاحقًا مع نتائج صاغها الآخرون. وإذا اندفعت إلى مواجهة خطابية مع إيران، قد تمنح طهران فرصة لإظهار نفسها حامية لمحور يتعرض للحصار. المطلوب ليس الاصطفاف الانفعالي، بل تحويل الوعي بالتغيير إلى سياسة تربط أي تفاهم إقليمي بسيادة الدول، ورفض احتكار الوكلاء للقرار، ورفض الضربات المفتوحة التي تجعل الدولة اللبنانية مجرد مسرح.
-
السيناريوهات والترجيح
-
السيناريو الأول: وقف مباشر هش ولبنان كساحة ضغط
هذا هو المسار المرجح. يستند إلى أن الأطراف الثلاثة لا تريد حربًا إقليمية مفتوحة، لكنها لا تملك تسوية شاملة. إيران توقف النار المباشرة كي لا تستنزف نفسها، وإسرائيل تواصل عمليات محسوبة كي لا تمنح حزب الله حصانة، وواشنطن تضغط على الطرفين كي لا ينهار المسار التفاوضي الأوسع.
مؤشرات التحقق: استمرار الهدوء النسبي بين إيران وإسرائيل، ضربات إسرائيلية متقطعة في لبنان، تصريحات إيرانية تحذيرية لا تتحول دائمًا إلى فعل، وحرص أمريكي على إبقاء التفاوض قائمًا.
الأثر: استمرار هشاشة لبنان، وتآكل ثقة الحكومة اللبنانية بقدرتها على إدارة ملف السلاح بمعزل عن المسار الإقليمي.
-
السيناريو الثاني: ضربة لبنانية تفرض إعادة الربط
يتحقق إذا استهدفت إسرائيل موقعًا ذا قيمة رمزية عالية في الضاحية أو الجنوب، أو إذا سقطت خسائر تضع حزب الله وإيران أمام ضغط الرد، أو إذا قررت إسرائيل أن كبح إيران يتطلب توسيع العمل ضد الحلفاء. لا يحتاج هذا المسار إلى قرار مسبق بحرب شاملة؛ يكفي خطأ في قراءة حدود الخصم.
مؤشرات التحقق: ارتفاع نوعية الأهداف في لبنان، خطاب إيراني يتجاوز التحذير إلى تحديد سقف زمني، استدعاء حزب الله لمعادلة إقليمية، أو فشل واشنطن في منع رد إسرائيلي واسع.
الأثر: إعادة فتح الجبهة الإيرانية الإسرائيلية ولو على مستوى محدود، وانهيار الثقة بأي وقف نار جزئي.
-
السيناريو الثالث: إدخال لبنان في آلية تهدئة لا في صفقة نهائية
يتطلب هذا المسار ضغطًا أمريكيًا أو وساطة أوسع لوضع قواعد واضحة: نطاق عمليات إسرائيل، دور الجيش اللبناني، موقع الضاحية والجنوب، التزامات حزب الله، وإجراء التحقق عند الخرق. لا يحل هذا المسار مسألة السلاح، لكنه يمنع تحويلها إلى ذريعة دائمة للضربات.
مؤشرات التحقق: قبول أمريكي ببند لبناني مستقل، تراجع الضربات الرمزية في الضاحية، تنشيط دور الجيش اللبناني ضمن مناطق محددة، وظهور آلية تحقق لا تترك كل طرف يفسر الهدنة على هواه.
الأثر: خفض احتمال الانفجار، وفتح مساحة سياسية للحكومة اللبنانية كي لا تبدو مجرد منفذ لضغط خارجي أو رهينة لحماية إيرانية مضادة.
-
الترجيح: لماذا يبقى الوقف مجزأً؟
يرجح التحليل بقاء المسار الأول خلال من ٣٠ إلى ٩٠ يومًا: وقف مباشر هش بين إيران وإسرائيل، مع استمرار ضغط إسرائيلي مضبوط في لبنان. لا يقوم هذا الترجيح على التفاؤل بالتهدئة، بل على توازن عجز متبادل: إيران لا تريد حربًا مباشرة طويلة، وإسرائيل لا تريد خسارة حرية العمل في لبنان، وواشنطن لا تريد أن ينهار تفاوضها مع طهران بسبب جبهة قابلة للضبط النسبي.
غير أن ترجيح هذا المسار لا يعني استقراره. فكل طرف يقرأ الوقف بطريقة مختلفة. إيران تريده اعترافًا بأن حزب الله داخل مظلتها، وإسرائيل تريده فصلًا بين إيران ولبنان، وواشنطن تريده وقتًا إضافيًا للمفاوضات، والحكومة اللبنانية تريده فرصة لاستعادة دور الجيش من دون انفجار داخلي. عندما يحمل وقف النار هذه التعريفات المتنافسة، يصبح استمراره مشروطًا بعدم وقوع حادثة تكشف التناقض دفعة واحدة.
النقطة الحاسمة أن إسرائيل نجحت مؤقتًا في منع إيران من فرض قاعدة حماية كاملة لحزب الله، لكنها لم تُنه قدرة إيران على تهديد هذه القاعدة من جديد. وإيران نجحت في إظهار أنها لاعب مباشر في حماية الحليف، لكنها لم تثبت أن هذه الحماية تمنع إسرائيل من العمل في لبنان. لذلك لا يوجد منتصر كامل في الجولة؛ هناك توزيع جديد للأثمان.
-
النتيجة التقديرية
النتيجة الأولى أن وقف النار لم يعد إعلانًا عن توقف القتال، بل اختبارًا لمن يملك حق تعريف الساحات. إذا عُرف الوقف بوصفه إيرانيًا إسرائيليًا فقط، كسبت إسرائيل حرية العمل في لبنان. وإذا عُرف بوصفه إقليميًا يشمل الحلفاء، كسبت إيران وزنًا تفاوضيًا يتجاوز حدودها. لذلك يدور الصراع الحقيقي حول تعريف الوقف لا حول توقيته فقط.
النتيجة الثانية أن إيران انتقلت من حماية حزب الله عبر الغموض إلى حمايته عبر الإشارة المباشرة، لكنها لم تصل إلى ضمانة ردع مكتملة. هذا انتقال مهم لدول الخليج والحكومة اللبنانية وواشنطن، لأنه يجعل طهران طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي هندسة إقليمية. لكنه في الوقت نفسه يكشف حدود إيران: الحماية التي لا تمنع استمرار الضربات تبقى حماية تفاوضية لا حماية حاسمة.
النتيجة الثالثة أن إسرائيل لم تكسر إيران، لكنها كسرت محاولة تثبيت قاعدة جديدة. ردها واستمرار عملياتها في لبنان يقولان إن أي تهدئة مع طهران لن تمنح حزب الله حصانة تلقائية. غير أن هذا النجاح يحمل بذرة خطره؛ لأن كل استمرار للعمليات اللبنانية يعيد إنتاج المبرر الإيراني للتدخل المباشر.
النتيجة الرابعة أن الحكومة اللبنانية ستدفع كلفة أي صياغة غامضة. فإذا قُدم حصر السلاح بلا ضمانة أمنية، سيبدو مشروعًا مفروضًا من الخارج. وإذا تُرك السلاح داخل حماية إيرانية، ستتآكل سيادة الدولة. لذلك لا يملك لبنان ترف الاختيار بين خطابين؛ يحتاج إلى هندسة متزامنة: وقف انتهاكات، دور واضح للجيش، وضمانة تمنع تحويله إلى ساحة رسائل.
النتيجة الخامسة أن الخليج العربي أمام تحول يجب ألا يُقرأ بمنطق الخوف أو الإنكار. إيران تظهر كلاعب مباشر في حماية حلفائها، لكن هذا لا يمنحها حق إدارة أمن العرب. المطلوب خليجيًا هو الاعتراف بوجود التحول لصياغة رد سياسي، لا التسليم بنتائجه.
الحكم التقديري: الحكم النهائي أن وقف النار الراهن ليس تسوية ولا انهيارًا للحرب، بل صيغة احتواء ناقص. إيران رفعت كلفة استهداف حزب الله من دون أن تمنحه حصانة، وإسرائيل منعت قاعدة الحماية الإيرانية من دون أن تُغلق سببها، وواشنطن ضبطت السقف من دون أن تغلق الساحات. لذلك سيظل لبنان، لا طهران ولا تل أبيب وحدهما، معيار صدقية التهدئة المقبلة.
-
توصيات تنفيذية مرتبطة بالحجة
١. الولايات المتحدة: خلال أسبوعين، ينبغي تحويل الضغط على إسرائيل من طلب عام إلى بروتوكول خفض تصعيد في لبنان يحدد المناطق والضربات المحظورة وآلية التحقق. الكلفة اعتراض إسرائيلي على تقييد حرية العمل. الخطر أن يُقرأ البروتوكول كاعتراف غير مباشر بدور حزب الله. البديل الاحتياطي إعلان أمريكي يربط أي تصعيد كبير في لبنان بتعطيل مسار إيران. مؤشر القياس تراجع الضربات عالية الرمزية خلال ٣٠ يومًا.
٢. الحكومة اللبنانية: خلال أسبوع إلى شهر، يجب طلب إدراج بند لبناني مستقل في أي تفاهم أمريكي إيراني أو لبناني إسرائيلي. يتضمن البند وقف الانتهاكات، ودور الجيش، وحدود عمل الفاعلين غير الدولتيين. الكلفة ضغط داخلي من خصوم حزب الله ومن الحزب نفسه. الخطر أن تبدو الدولة وسيطًا بين الخارج والحزب لا صاحبة سيادة. البديل ملف خروق موثق يرفع إلى الوسيط الأمريكي والأمم المتحدة. مؤشر القياس اعتراف واشنطن ببند لبناني مستقل في الجولة المقبلة.
٣. الدول الخليجية المعنية: خلال شهر، يلزم تأسيس تقدير مشترك يربط الرد الإيراني على إسرائيل بمستقبل أمن الخليج ولبنان، مع قناة رسائل لا تمنح طهران حق فيتو ولا تتجاهل وزنها. الكلفة حساسية سياسية في التواصل مع إيران. الخطر قراءة خليجية متأخرة لترتيبات يصوغها الآخرون. البديل تنسيق عربي أوروبي حول سيادة لبنان. مؤشر القياس موقف خليجي موحد يربط أي تهدئة بسيادة الدولة اللبنانية وعدم نقل الصراع إلى الممرات والطاقة.
٤. سوريا: فورًا، ينبغي حصر أي دور محتمل في ضبط الحدود ومنع التسلل والتهريب، لا في مهمة نزع سلاح مباشرة داخل لبنان. الكلفة ضغط أمريكي أو إسرائيلي لقبول دور أوسع. الخطر رد إيراني أو اضطراب داخلي إذا دخلت دمشق في مواجهة مباشرة مع حزب الله. البديل تنسيق أمني غير قتالي مع بيروت. مؤشر القياس غياب أي انتشار سوري عابر للحدود مع تحسن ضبط المعابر.
٥. مراكز القرار العربية: خلال ٩٠ يومًا، يجب معاملة لبنان كمؤشر إنذار مبكر لمسار إيران وإسرائيل، لا كملف محلي منفصل. الكلفة محدودة. الخطر تحويل الرصد إلى متابعة إعلامية بلا قرار. البديل تقرير أسبوعي يربط الضربات في لبنان بتصريحات إيران وإسرائيل وواشنطن. مؤشر القياس قدرة صانع القرار على توقع نقطة الانفجار قبل وقوعها.
-
خاتمة
ليست الجولة الأخيرة دليلًا على عودة المنطقة إلى الحرب الشاملة، ولا دليلًا على نضج التسوية. إنها تكشف نمطًا أدق: تستطيع الأطراف خفض النار في المكان الذي يخيفها، وتستطيع إبقاءها مشتعلة في المكان الذي تظن أنها تضبطه. بهذا المعنى، لبنان ليس هامشًا على وقف إيران وإسرائيل، بل هو المكان الذي يختبر صدقه.
إذا قبلت واشنطن وإسرائيل بوقف مباشر مع إيران مع إبقاء لبنان خارج أي قواعد، سيبقى الوقف هشًا مهما بدا سياسيًا. وإذا حاولت إيران تحويل كل ضربة في لبنان إلى رد مباشر، ستفتح الباب أمام تصعيد لا تملك ضمان التحكم به. وإذا بقيت الحكومة اللبنانية بين مطلب حصر السلاح واستمرار الضربات، ستدفع كلفة معادلة صاغها الآخرون.
الحكم النهائي أن إيران أصبحت أكثر حضورًا في تعريف أمن حلفائها، لكنها لم تصبح قادرة وحدها على فرض قواعد الإقليم. وإسرائيل منعت قاعدة الحماية الإيرانية الكاملة، لكنها لم تُنه سببها. وواشنطن ضبطت السقف، لكنها لم تغلق الساحات. لذلك سيكون مصير وقف النار مرهونًا بسؤال واحد: هل يتحول لبنان إلى بند في التهدئة، أم يبقى الثغرة التي يعود منها التصعيد كلما ظن اللاعبون أنهم سيطروا عليه؟
-
مراجع .
- رويترز، «إيران وإسرائيل تعلنان وقف الضربات المتبادلة مؤقتًا»، ٨ حزيران/يونيو ٢٠٢٦.
- رويترز، «لبنان يقول إن إسرائيل قصفت أراضيه قرابة ٣٥٠٠ مرة خلال وقف النار»، ٨ حزيران/يونيو ٢٠٢٦.
- رويترز، «حزب الله يرفض خطة وقف النار المعلنة في واشنطن وإسرائيل تواصل الضربات»، ٤ حزيران/يونيو ٢٠٢٦.
- رويترز، «إيران تعلن دعمها لحزب الله مع تعثر صفقة سلام أوسع»، ٥ حزيران/يونيو ٢٠٢٦.
- رويترز، «الولايات المتحدة تشجع تحركًا سوريًا ضد حزب الله ودمشق مترددة»، ١٧ آذار/مارس ٢٠٢٦.
- رويترز، «حزب الله يحذر الدولة اللبنانية من توسيع مسعى نزع السلاح»، ١٤ كانون الثاني/يناير ٢٠٢٦.
- رويترز، «الجيش اللبناني يقول إنه يسيطر على الجنوب وإسرائيل تقول إن نزع السلاح غير مكتمل»، ٧ كانون الثاني/يناير ٢٠٢٦.
- الغارديان، «إيران تطلق صواريخ على إسرائيل ردًا على ضربات بيروت»، ٧ حزيران/يونيو ٢٠٢٦.



































