- سوريا واختبار القابلية للتمويل بعد العقوبات
- المصارف المراسلة بعد انحسار العقوبات
- تقدّر الورقة قدرة سوريا على تحويل انحسار العقوبات إلى تمويل فعلي، عبر اختبار المصارف المراسلة والامتثال وإغلاق المشاريع.
- لا يكفي انحسار العقوبات لتحريك الاقتصاد السوري. الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تقبل المصارف المراسلة وشركات التأمين والمستثمرون التعامل مع سوريا بوصفها اقتصادًا قابلًا للتسعير والتمويل.
لم تعد عودة الاقتصاد السوري رهينة قرار قانوني واحد. تخفيف العقوبات يفتح باب التعامل، لكنه لا يمنح المصارف سببًا كافيًا لتحمل المخاطر. الاختبار الفعلي يقع في قدرة الجهاز المالي والمؤسسات العامة على إنتاج ملف قابل للدفاع عنه أمام لجان الامتثال، وشركات التأمين، والممولين. لذلك تقف سوريا أمام عتبة انتقالية: قيود رسمية أخف، وحذر مالي ما زال قادرًا على تعطيل التحويلات، وتأجيل العقود، وحصر الانفتاح في قطاعات محدودة.
-
الملخص التنفيذي
أعاد عام ٢٠٢٥ تشكيل البيئة القانونية الخارجية المحيطة بسوريا. أزال الأمر التنفيذي الأميركي الصادر في ٣٠ حزيران/يونيو ٢٠٢٥ جزءًا واسعًا من برنامج العقوبات السوري اعتبارًا من ١ تموز/يوليو ٢٠٢٥، مع إبقاء قيود موجهة على بشار الأسد وشبكاته، ومنتهكي حقوق الإنسان، ومهربي الكبتاغون، وجهات أخرى محددة. وفي المسار الأوروبي، أعلن مجلس الاتحاد الأوروبي رفع العقوبات الاقتصادية في أيار/مايو ٢٠٢٥، ثم جدّد في أيار/مايو ٢٠٢٦ تدابير موجهة ضد شبكات النظام السابق وبعض الكيانات والأفراد.
لا يحوّل هذا التغيير سوريا تلقائيًا إلى سوق قابلة للتمويل. المصرف الأجنبي لا يكتفي بالسؤال عما إذا كانت الصفقة مسموحة قانونيًا، بل يفحص مصدر الأموال، والمستفيد الحقيقي، وسجل المصرف المحلي، وإمكان تنفيذ العقد عند التعثر، وكلفة الدفاع عن العلاقة أمام الرقابة. لذلك انتقل مركز الثقل من الحظر الرسمي إلى قابلية المخاطر للتسعير.
حجم الحاجة يزيد صعوبة الاختبار. فقد قدّر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة بنحو ٢١٦ مليار دولار أميركي، أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لعام ٢٠٢٤. هذا الرقم لا يصف فجوة مالية فقط؛ بل يكشف فجوة مؤسسية بين حجم الموارد المطلوبة وقدرة الدولة على استقبال التمويل وتوجيهه ومراقبته.
يرجح التقدير انفراجًا ماليًا محدودًا خلال الأشهر الاثني عشر إلى الأربعة والعشرين المقبلة. يبدأ الانفراج في الكهرباء، والغذاء، والدواء، والمدفوعات الأساسية، ولا يتحول سريعًا إلى طفرة استثمارية عامة. معيار النجاح ليس عدد الوفود ومذكرات التفاهم، بل عدد علاقات المراسلة المصرفية المستقرة، وحجم التحويلات النظامية، وعدد المشاريع التي تصل إلى الإغلاق المالي.
-
السؤال والفرضية وحدود التقدير
سؤال التقدير: هل يكفي انحسار العقوبات الغربية لتحويل سوريا إلى اقتصاد قابل للتمويل والاستثمار؟
الفرضية: انحسار العقوبات شرط لازم، لكنه غير كافٍ. تصبح سوريا قابلة للتمويل عندما تنتقل من وضع «المسموح بالتعامل معه قانونيًا» إلى وضع «المقبول ماليًا ومصرفيًا». ويُختبر هذا الانتقال عبر أربعة مؤشرات: انتظام التحويلات، وعودة المصارف المراسلة، وتحسن الامتثال، وتحول المشاريع المعلنة إلى عقود ممولة ومنفذة.
حدود التقدير: لا تفترض الورقة أن الانفراج القانوني نهائي أو خطي. فالبيئة القائمة حتى ٦ حزيران/يونيو ٢٠٢٦ تجمع بين تخفيف واسع للقيود الاقتصادية، واستمرار تدابير موجهة، وتردد داخل القطاع المالي الدولي. لذلك يتعامل النص مع القابلية للتمويل بوصفها مسارًا مشروطًا، لا نتيجة حتمية.
-
أولًا: الانفراج القانوني لا يلغي الحذر المالي
غيّر رفع جزء واسع من العقوبات شكل المشكلة، لكنه لم ينهها. كانت القيود الشاملة تمنع التعامل أو تجعله شديد الصعوبة. أما المرحلة الجديدة فتسمح بمساحة أوسع، لكنها تُبقي كلفة المخاطر مرتفعة. يتحول الاختبار من سؤال الإباحة القانونية إلى سؤال الثقة المالية.
أزال الأمر التنفيذي الأميركي الصادر في ٣٠ حزيران/يونيو ٢٠٢٥ عقوبات واسعة على سوريا اعتبارًا من اليوم التالي، مع إبقاء قيود على شبكات وأفراد وجهات محددة. وفي المسار الأوروبي، لم يؤد رفع العقوبات الاقتصادية إلى إسقاط التدابير الموجهة المتصلة بالأمن وبشبكات النظام السابق.
لا تدخل سوريا، بناءً على ذلك، وضعًا ماليًا عاديًا. فالمصرف المراسل سيفحص الجهة المتعاملة، وقطاع النشاط، ومصدر الأموال، والمستفيد الحقيقي، وسجل المصرف المحلي، وآلية تسوية النزاع عند التعثر. قد يكون المشروع مشروعًا مشروعًا قانونيًا، ومع ذلك يبقى غير قابل للتمويل عمليًا.
-
العقوبة السوقية: حين يصبح الحذر قيدًا بنيويًا
تظهر «العقوبة السوقية» عندما تمتنع المصارف وشركات التأمين والمستثمرون عن تحمل مخاطر يصعب تسعيرها. لا تصدر هذه العقوبة عن حكومة، لكنها تحدد سرعة تدفق المال أكثر مما يفعله النص القانوني وحده.
تقوم هذه العقوبة على ثلاثة عناصر. الأول غياب قاعدة بيانات موثوقة عن التعثر والسيولة وسلوك المدين. فالمصرف الدولي يحتاج إلى سلاسل قابلة للمقارنة كي يبرر تسعير التسهيل التجاري أو القرض طويل الأجل.
العنصر الثاني مخاطر السمعة. كبرى المصارف تعمل، بعد سنوات من الغرامات المرتبطة بانتهاكات العقوبات، داخل ثقافة امتثال شديدة الحذر. حتى المعاملة المشروعة قد تُرفض إذا رأت لجنة المخاطر أنها تضم علاقة يصعب شرحها رقابيًا.
العنصر الثالث ضعف قابلية الإنفاذ. حق الدائن يفقد قيمته إذا عجز عن تنفيذ حكم، أو تحصيل ضمان، أو الخروج من الاستثمار. لذلك قد يصبح التأمين على المشاريع طويلة الأجل باهظ الكلفة أو متعذرًا، ولو كان المشروع مطلوبًا اقتصاديًا.
-
ثانيًا: التمويل لا يدخل اقتصادًا بلا بنية ثقة
تحتاج سوريا إلى نظام يستقبل المال ويحوّله إلى أصول وخدمات، لا إلى أموال فقط. إعادة الإعمار لا تبدأ بمؤتمر استثماري، بل بمصرف يمرر تحويلًا، وجهة حكومية تدير عقدًا، وقضاء تجاري يفض نزاعًا، وبيانات تسمح بتسعير المخاطر.
أشار صندوق النقد الدولي، عقب زيارة فريقه إلى دمشق في شباط/فبراير ٢٠٢٦، إلى علامات تعافٍ مرتبطة بثقة المستهلكين والمستثمرين، وعودة لاجئين، وزيادة إمدادات الكهرباء، وإعادة الاندماج الإقليمي. وشدد في الوقت نفسه على الحاجة إلى دعم وزارة المالية والمصرف المركزي، وتحسين الإحصاءات والمؤسسات الاقتصادية.
دلالة هذه الإشارة لا تقف عند وصف التعافي. فالاقتصاد الذي يفتقر إلى بيانات موثوقة لا يستطيع جذب تمويل طويل الأجل. المستثمر يحتاج إلى أرقام متسقة، وموازنة قابلة للقراءة، وسعر صرف مفهوم، ومسار واضح لتحويل الأرباح. كل نقص في هذه العناصر يرفع كلفة المال أو يدفعه إلى البقاء خارج البلاد.
-
الإغلاق المالي: معيار التفريق بين النية والاستثمار
الإغلاق المالي هو لحظة توقيع اتفاقيات التمويل، واستيفاء الشروط السابقة للسحب، وتحول الأموال إلى موارد قابلة للاستخدام. في الحالة السورية لا يكتمل هذا المسار إلا بتوافر عناصر متزامنة: وضوح سند الملكية، وضمان مقبول من المقرض، وغطاء تأميني على مخاطر السياسة والعملة، ورأي قانوني يثبت صلاحية إنفاذ العقد، وسجل مشتريات قابل للتدقيق.
من دون هذه العناصر، يبقى المشروع إعلانًا أو نية تمويلية. وتتسع الفجوة في سوريا بسبب تراكم إشكاليات الملكية خلال سنوات النزاع، وضعف المرجعية القانونية القادرة على إصدار أحكام قابلة للإنفاذ الدولي.
-
ثالثًا: الامتثال أصل اقتصادي لا عبء خارجي
الامتثال المصرفي في سوريا ليس مطلبًا خارجيًا ضاغطًا فقط، بل أصل اقتصادي. فهو يخفض كلفة التحويل، ويفتح الباب أمام المصارف المراسلة، ويمنح المستثمر قدرة على الدفاع عن قراره أمام مدققيه وسلطاته الرقابية.
تؤكد مجموعة العمل المالي أن سوريا عالجت فنيًا خطة العمل المتصلة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب منذ عام ٢٠١٤، لكنها لم تتمكن من إجراء زيارة ميدانية للتحقق من بدء الإصلاحات واستمرارها بسبب الوضع الأمني. لذلك تواصل متابعة الملف إلى حين إجراء زيارة تحقق.
يفصل هذا التوصيف بين امتثال تشريعي شكلي وامتثال سلوكي فعلي. الأول يعني وجود نصوص وآليات على الورق، والثاني يعني سجل تطبيق موثوقًا. المصارف الدولية تبني قرارها على السجل الثاني لا على النصوص وحدها.
-
المصرف المراسل: بوابة الاقتصاد لا قناة تحويل فقط
يؤدي المصرف المراسل وظيفة حارس السمعة داخل الشبكة المالية. حين يقبل مصرف أجنبي كبير فتح علاقة مع مصرف سوري، فهو يقر ضمنيًا بأن المصرف السوري يستوفي معايير امتثال يمكن الدفاع عنها أمام جهازه الرقابي. يبدأ هذا القبول غالبًا بمبالغ محدودة وفئات معاملات ضيقة، ثم يتوسع مع بناء سجل موثوق.
-
رابعًا: الكهرباء اختبار مالي قبل أن تكون خدمة عامة
يمثل قطاع الكهرباء الامتحان العملي الأول لقابلية التمويل. فقد وافق البنك الدولي في حزيران/يونيو ٢٠٢٥ على منحة بقيمة ١٤٦ مليون دولار أميركي لدعم إمدادات الكهرباء والتعافي الاقتصادي في سوريا. وبيّن تقرير تنفيذ صادر في كانون الثاني/يناير ٢٠٢٦ أن التمويل لم يكن نافذًا بعد، وأن النفاذ مشروط باتفاقية فرعية ورأي قانوني حكومي، مع تصنيف المخاطر الكلية للمشروع بأنها مرتفعة.
قيمة المشروع لا تقاس بحجمه فقط، بل بقابليته لأن يصبح نموذجًا مبكرًا لدورة التمويل والتنفيذ والرقابة. الكهرباء تختبر قدرة الدولة على إدارة سلاسل توريد دولية، وقنوات دفع نظامية، ونموذج إيرادات قابل للقياس، وخدمة يلمس المواطن إخفاقها سريعًا.
الموافقة التمويلية لا تكفي. يجب اجتياز شروط النفاذ، والتعاقد، والمشتريات، والرقابة، والقدرة المؤسسية. إذا نجح مشروع الكهرباء في بناء دورة تعاقد شفافة، أمكن تحويله إلى نموذج لقطاعات المياه، والصرف الصحي، والنقل، والاتصالات. وإذا تعثر، ستقرأه السوق دليلًا على أن المشكلة لا تقف عند العقوبات.
-
خامسًا: الاستثمار بين الإعلان والإغلاق المالي
لا يعني توقيع مذكرة تفاهم أن الاستثمار بدأ. مذكرة التفاهم إعلان نية؛ أما الإغلاق المالي فهو لحظة يقتنع فيها المصرف، والمستشار القانوني، وشركة التأمين، والمستثمر، بأن المشروع قابل للتنفيذ والتحصيل والخروج.
قد تتراكم في سوريا مذكرات التفاهم قبل أن تتراكم الاستثمارات الفعلية. لا يمثل ذلك فشلًا بذاته، لكنه يتحول إلى خطر حين تصبح الإعلانات بديلًا عن التنفيذ. المواطن لا يلمس مذكرة تفاهم، بل يلمس ساعات كهرباء، وأسعارًا، ووظائف، وخدمات.
المعيار العملي يجب أن ينتقل من عدد المشاريع المعلنة إلى أسئلة أكثر صرامة: كم مشروعًا أصبح ممولًا؟ كم عقدًا اجتاز التدقيق؟ كم تحويلًا مر عبر قناة مصرفية نظامية؟ وكم شركة تأمين قبلت تغطية المخاطر؟
-
سادسًا: المسارات المحتملة
المسار الأول هو الانفراج المالي المحدود. يقوم على فتح قنوات تحويل تدريجية في القطاعات الأقل حساسية: الكهرباء، والغذاء، والدواء، والاتصالات الأساسية، وبعض الواردات الإنتاجية. مؤشرات التحقق هي انخفاض كلفة التحويل، وظهور علاقات مراسلة مستقرة، ونفاذ مشروع الكهرباء، وصدور تعليمات امتثال مصرفي واضحة. أثره تحسن تدريجي في التجارة والخدمات من دون طفرة استثمارية.
المسار الثاني هو تضخم الإعلانات وضعف التنفيذ. يتوسع في مذكرات التفاهم والزيارات الاستثمارية في العقار والسياحة والطاقة والخدمات، لكنه يعجز عن تحويل معظمها إلى عقود ممولة بسبب ضعف الضمانات، وصعوبة التحويل، وغموض تسوية المنازعات. أثره صورة سياسية إيجابية قصيرة الأجل يعقبها إحباط اقتصادي إذا لم تظهر نتائج ملموسة.
المسار الثالث هو الارتداد الامتثالي. لا يشترط عودة العقوبات الشاملة؛ إذ يكفي حادث أمني كبير، أو فضيحة مالية، أو نزاع ملكية واسع، أو فشل في استيفاء متطلبات رقابة دولية، حتى تعيد المصارف وشركات التأمين رفع درجة الخطر من تلقاء نفسها. أثره تراجع شهية المستثمرين واتساع الفجوة بين الخطاب الاقتصادي والقدرة التمويلية.
-
الترجيح
المسار الأقرب هو انفراج مالي محدود يرافقه تضخم في الإعلانات الاستثمارية. فالبيئة القانونية أصبحت أفضل من مرحلة الحظر الواسع، لكن البنية المصرفية والمؤسسية لم تلحق بهذا التحول. يبدأ التمويل من القطاعات الحيوية والمشاريع ذات الغطاء الدولي، ثم يتوسع فقط إذا نجحت الدولة في بناء سجل امتثال وتنفيذ يمكن الدفاع عنه أمام المصارف والممولين وشركات التأمين.
-
مؤشرات المتابعة
تقاس الأشهر الستة الأولى بثلاث علامات: نفاذ منحة الكهرباء، وصدور تعليمات امتثال مصرفي قابلة للتطبيق، وبدء تحويلات تجارية منتظمة عبر قنوات مصرفية واضحة. وتقاس السنة الأولى بعدد علاقات المراسلة المستقرة، وعدد العقود التي اجتازت التدقيق، وانخفاض كلفة التحويل. أما الأفق الممتد إلى أربعة وعشرين شهرًا فيُقاس بعدد المشاريع التي بلغت الإغلاق المالي، لا بعدد مذكرات التفاهم أو الزيارات الاستثمارية.
-
التوصيات التنفيذية
أولًا: مسار الامتثال المصرفي المعلن. على مصرف سورية المركزي إصدار خريطة امتثال خلال تسعين يومًا، تتضمن قواعد معرفة العميل، وتحديد المستفيد الحقيقي، والإبلاغ عن العمليات المشبوهة، وإدارة السيولة، وتعليمات التعامل مع المصارف المراسلة. الكلفة تقنية واستشارية قابلة للتغطية عبر دعم دولي. الخطر هو إنتاج وثيقة شكلية لا تغيّر سلوك المصارف. البديل هو تطبيق الخريطة أولًا على ثلاثة مصارف نموذجية قبل التعميم. مؤشر القياس: علاقات مراسلة مستقرة وتحويلات منتظمة.
ثانيًا: تحويل المشاريع إلى ملفات قابلة للإغلاق المالي. على الحكومة إنشاء وحدة مركزية لإعداد المشاريع خلال ستة أشهر. تتضمن كل حزمة مشروع الملكية، والرخص، ونموذج الإيرادات، ومخاطر العملة، والتحكيم، والضمانات، والمشتريات. الكلفة مرتبطة بالخبرة القانونية والمالية. الخطر هو تحول الوحدة إلى مكتب ترويج. البديل هو إخضاع المشاريع الكبرى لمراجعة مستقلة. مؤشر القياس: عدد المشاريع التي تبلغ الإغلاق المالي.
ثالثًا: جعل الكهرباء مشروع إثبات مؤسسي. على وزارتي الكهرباء والمالية التعامل مع المشروع الممول دوليًا بوصفه نموذجًا لاختبار القدرة المؤسسية. الأولوية هي استكمال شروط النفاذ، ونشر جدول تنفيذ، وإعلان آلية مشتريات وتدقيق. الخطر هو تعثر المشروع وتحوله إلى إشارة سلبية للسوق. البديل هو تقسيمه إلى مراحل قصيرة قابلة للقياس. مؤشر القياس: نفاذ التمويل، وبدء العقود، وتحسن ساعات التغذية.
رابعًا: حماية الدولة من الشراكات غير المحسوبة. على الحكومة تأجيل الشراكات الكبرى في البنية التحتية الضخمة إلى حين إصدار إطار واضح للشراكة بين القطاعين العام والخاص، يحدد توزيع المخاطر، وسقف الالتزامات الحكومية، وآلية فض النزاع. الخطر هو تحميل الدولة التزامات مستقبلية مخفية. البديل هو البدء بمشاريع صغيرة ومتوسطة. مؤشر القياس: عقود قابلة للتدقيق ومخاطر مالية محسوبة مسبقًا.
خامسًا: بناء قاعدة بيانات اقتصادية دورية. على وزارة المالية ومصرف سورية المركزي والجهاز الإحصائي نشر مؤشرات شهرية وربع سنوية حول التضخم، والتجارة، وسعر الصرف، والإيرادات، والإنفاق، والتحويلات، والدين. البدء بسلة مؤشرات محدودة ومنتظمة أجدى من انتظار اكتمال المنظومة الإحصائية. الخطر هو نشر بيانات غير متسقة. البديل هو اعتماد سلة صغيرة قابلة للتحديث. مؤشر القياس: اعتماد البيانات من مؤسسات دولية ومصارف في تقييم المخاطر.
-
النتائج الاستراتيجية
النتيجة الأولى أن انحسار العقوبات لا ينتج التعافي، بل يفتح اختباره. كان الحظر يخفي ضعف القابلية للتمويل، أما الانفراج القانوني فيكشفه.
النتيجة الثانية أن المصارف المراسلة ستكون بوابة الاقتصاد السوري إلى الخارج. من دونها ستبقى الاستثمارات محصورة في نيات، ووسطاء، وتمويل داخلي محدود.
النتيجة الثالثة أن الامتثال سيتحول إلى مورد اقتصادي. الدولة التي تثبت قدرتها على تتبع المال تخفض كلفة دخوله، والدولة التي تخفق في ذلك تدفع ثمنًا مضاعفًا حتى بعد رفع القيود.
النتيجة الرابعة أن أخطر السيناريوهات ليس الانهيار المفاجئ، بل التعافي البطيء المحبط: وعود كثيرة، وتمويل قليل، ومشاريع معلنة لا تكتمل، وهو وضع كفيل بتآكل الرأسمال السياسي اللازم للإصلاح.
-
الخاتمة
تغادر سوريا مرحلة الحظر الواسع إلى مرحلة الامتحان المالي. هذا الامتحان أقل صخبًا من السياسة، لكنه أكثر حسمًا للاقتصاد. سيُقاس التعافي بما يمر عبر حساب مراسل، وما يُنفذ ضمن عقد كهرباء، وما يثبت في تقرير تدقيق، وما يتحول من وعد استثماري إلى خدمة أو أصل إنتاجي.
السؤال الحاسم ليس ما إذا كان الباب القانوني قد فُتح، بل ما إذا كانت سوريا تملك المفتاح المؤسسي للدخول منه. حتى يتحقق ذلك، تبقى البلاد في منطقة رمادية: أقل عزلة من السابق، وأقل تمويلًا مما تتطلبه إعادة البناء.
المراجع




































