- تآكل الإجماع الحزبي الأمريكي حول المساعدات العسكرية لإسرائيل
- تصويت يوليو ٢٠٢٦ واتجاهات الرأي العام وحدود الانتقال من الضمان المفتوح إلى الدعم المشروط
- «حين يتآكل هذا التوافق، قد يستمر المال لسنوات بفعل القصور المؤسسي، بينما تتراجع قدرة الحليف على افتراض استمرار الشروط نفسها.»
- «جوهر التحول يقع في انتقال سلطة التفسير من افتراض أن التمويل حق مستقر إلى افتراض أنه قرار يحتاج إلى تبرير متكرر.»
- «المسار الأرجح حتى ٢٠٢٨ ليس القطع ولا العودة الكاملة إلى التوافق، بل إعادة تركيب الدعم وفصل مكوناته وفق الوظيفة وشروط الاستخدام.»
يكشف تصويت مجلس النواب في يوليو/تموز ٢٠٢٦ أن الخلاف حول المساعدات العسكرية لإسرائيل انتقل من اعتراض تقدمي محدود إلى انقسام داخل الحزب الديمقراطي. لا يرجح المسار القريب قطع التمويل، لكنه يضعف الضمان العابر للحزبين ويفتح الطريق أمام فصل الدفاع الصاروخي عن الذخائر الهجومية، وتوسيع الرقابة، وربط الاعتمادات المقبلة بشروط الاستخدام.
المساعدات العسكرية لإسرائيل، الكونغرس الأمريكي، الحزب الديمقراطي، الدعم المشروط، الرأي العام الأمريكي، مذكرة التفاهم الأمنية، انتخابات ٢٠٢٦
لم يُسقط تصويت مجلس النواب الأمريكي في ١٥ يوليو/تموز ٢٠٢٦ المساعدة العسكرية لإسرائيل، ولم يقترب من إنتاج قانون يوقفها. رفض المجلس تعديل النائب الجمهوري توماس ماسي بأغلبية ٣١٤ صوتًا مقابل ١٠٤ أصوات، وسجّل عشرة أعضاء موقف «حاضر». لكن بنية التصويت حملت دلالة تتجاوز النتيجة العددية: أيّد التعديل ١٠٣ نواب ديمقراطيين، وعارضه ٩٨ ديمقراطيًا، بينما بقي ماسي الجمهوري الوحيد المؤيد لوقف التمويل. تحوّل الاعتراض، للمرة الأولى بهذا الاتساع، من صوت تقدمي هامشي إلى انقسام داخل الكتلة الديمقراطية نفسها. ١
السؤال الذي يفتحه التصويت لا يتعلق بإمكان انقطاع المساعدة في المدى القريب؛ فالقيود التشريعية والتنفيذية تجعل ذلك احتمالًا ضعيفًا. يتعلق السؤال بمصدر الشرعية السياسية التي تحمي المساعدة من التقلبات: هل تبقى العلاقة الأمريكية الإسرائيلية محمية بتوافق بين الحزبين، أم تصبح معتمدة على هيمنة جمهورية يقابلها حزب ديمقراطي منقسم، وقاعدة انتخابية تميل تدريجيًا إلى رفض التمويل غير المشروط؟ الحجة الأرجح أن التحول الجاري لا يقود مباشرة إلى إنهاء الدعم، بل إلى تفكيك صيغته الموحدة: فصل الدفاع الصاروخي عن الذخائر الهجومية، توسيع الرقابة على الاستخدام، ورفع الكلفة السياسية لكل اعتماد جديد. بذلك ينتقل الخلاف من سؤال «هل تدعم الولايات المتحدة إسرائيل؟» إلى سؤال أدق: «أي نوع من الدعم، وتحت أي شروط، ولأي حكومة إسرائيلية؟».
-
التصويت الذي كشف حدود الإجماع
صيغ تعديل ماسي بصورة واسعة. نص على منع استخدام أي أموال يخصصها قانون الاعتمادات لإسرائيل، وخفض حساب برنامج التمويل العسكري الأجنبي بمقدار ٣٫٣ مليارات دولار. لم يفرّق النص بين أنظمة دفاعية ومعدات هجومية، ولم يبن آلية تعليق مرتبطة بسلوك محدد أو مراجعة قانونية دورية. هذا الاتساع أتاح لمعارضي التعديل أن يجمعوا بين تأييدهم لاستمرار العلاقة الأمنية واعتراضهم على سياسة حكومة بنيامين نتنياهو. كما أتاح لمؤيديه استخدامه بوصفه تصويتًا احتجاجيًا على مجمل نمط الدعم، لا موافقة تفصيلية على بديل تشريعي مكتمل. ٢
لهذا لا يجوز قراءة الأصوات البالغة ١٠٤ باعتبارها كتلة متجانسة. جمع التعديل بين نزعة ماسي الرافضة للمساعدات الخارجية أصلًا، ورفض ديمقراطي لاستخدام السلاح الأمريكي في غزة، وموقف يدعو إلى قصر التعاون على الدفاع الصاروخي، ورغبة لدى بعض الأعضاء في إرسال إشارة سياسية من دون توقع مرور النص في مجلس الشيوخ أو قبول الرئيس دونالد ترامب به. ومع ذلك، لا يلغي تعدد الدوافع الدلالة المؤسسية للتصويت؛ إذ لم تعد القيادة الديمقراطية قادرة على فرض موقف واحد، وانقسمت مستوياتها العليا بين معارضين للتعديل ومؤيدين له. امتنع زعيم الأقلية حكيم جيفريز عن تحويل موقفه الرافض إلى تعليمات ملزمة، بينما أيدته النائبة كاثرين كلارك، صاحبة الموقع الثاني في قيادة الكتلة. هذا الانقسام يبين أن الخلاف تجاوز حدود الجناح التقدمي ودخل بنية إدارة الحزب. ٣
تتضح قيمة الحدث عند وضعه إلى جانب لحظة ٢٠١٦. يومها أقر مجلس النواب، بأغلبية ٤٠٥ أصوات مقابل أربعة، قرارًا يؤيد مذكرة التفاهم الأمنية التي نظمت المساعدة لعشر سنوات. لم تكن تلك الأغلبية تعني غياب الخلاف حول سياسات إسرائيل، لكنها كانت تعني فصل الخلاف عن أصل الالتزام المالي. بعد عقد واحد، لم يعد الفصل قائمًا. بقيت الأغلبية العامة مؤيدة للتمويل، إلا أن الحزب الذي شارك في بناء المذكرة بات عاجزًا عن ضمان أغلبية داخلية واضحة لصيغتها السنوية غير المشروطة. ٣
-
السياق الحاكم: استمرارية مؤسسية وشرعية حزبية متراجعة
تستند المساعدة إلى بنية أقوى من تصويت واحد. تغطي مذكرة التفاهم الموقعة في سبتمبر/أيلول ٢٠١٦ السنوات المالية من ٢٠١٩ إلى ٢٠٢٨، وتحدد التزامًا قدره ٣٨ مليار دولار؛ منها ٣٣ مليارًا للتمويل العسكري الأجنبي وخمسة مليارات للدفاع الصاروخي. يبلغ التمويل العسكري السنوي ٣٫٣ مليارات دولار، وتضاف إليه اعتمادات الدفاع الصاروخي وفق الإجراءات المختصة. كما طلبت الإدارة الأمريكية في موازنة السنة المالية ٢٠٢٧ المبلغ نفسه لإسرائيل، بما يؤكد أن السلطة التنفيذية لا تتعامل مع التصويت بوصفه مراجعة للالتزام القائم. ٤
لا تُنشئ مذكرة التفاهم حقًا قانونيًا ذاتي التنفيذ؛ إذ يحتفظ الكونغرس بسلطة الاعتماد السنوي. لكنها تحول التوقع السياسي إلى قاعدة تخطيط. تبني إسرائيل مشترياتها وبرامجها متعددة السنوات على تدفق متوقع، وتربط الشركات الأمريكية الإنتاج والعقود بسوق مضمونة نسبيًا، وتتعامل الإدارة مع المبلغ باعتباره جزءًا ثابتًا من هندسة الردع الإقليمي. أدى هذا التشابك إلى توزيع المستفيدين من المساعدة داخل الولايات المتحدة نفسها: لا يخرج التمويل كاملًا من الاقتصاد الأمريكي، بل يعود جزء كبير منه في صورة مشتريات من الصناعات الدفاعية الأمريكية، مع تقليص تدريجي للترتيبات التي سمحت بإنفاق نسبة داخل إسرائيل. ٤
لكن صلابة البنية المالية لا تعني صلابة الشرعية. في التحالفات طويلة الأمد، يؤدي التوافق بين الحزبين وظيفة تأمينية: يحمي الالتزامات من تبدل الرؤساء والأغلبيات، ويمنح الحليف قدرة على التخطيط من دون أن يعيد التفاوض مع كل دورة انتخابية. حين يتآكل هذا التوافق، قد يستمر المال لسنوات بفعل القصور المؤسسي، بينما تتراجع قدرة الحليف على افتراض استمرار الشروط نفسها. هنا تقع الدلالة الأعمق لتصويت يوليو: التمويل ما زال محميًا، لكن «التأمين السياسي» الذي يحيط به أصبح أضعف.
«حين يتآكل هذا التوافق، قد يستمر المال لسنوات بفعل القصور المؤسسي، بينما تتراجع قدرة الحليف على افتراض استمرار الشروط نفسها.»
يظهر هذا الضعف في انفصال مستويين كانا متداخلين. المستوى الأول استراتيجي، ويشمل التعاون في الدفاع الصاروخي والاستخبارات والتكنولوجيا ومواجهة خصوم إقليميين. أما المستوى الثاني فسياسي معياري، ويتصل بقبول واشنطن منح حكومة إسرائيل هامشًا واسعًا في استخدام القوة. لا تعارض قطاعات واسعة داخل الحزب الديمقراطي المستوى الأول بالضرورة، لكنها لم تعد تقبل أن يحميه المستوى الثاني من المساءلة. لذلك ينمو اتجاه يفصل «أمن إسرائيل» عن «حرية الحكومة الإسرائيلية في استخدام الدعم الأمريكي»، وهو فصل يعيد تعريف معنى التأييد بدل أن يلغيه.
-
الفاعلون الذين يعيدون تعريف الدعم
الفاعل الأول هو الائتلاف الديمقراطي، لكنه ليس كتلة واحدة. يضم جناحًا يرى المساعدة غير المشروطة مشاركةً في نتائج الحرب على غزة، وجناحًا يريد الحفاظ على التعاون الدفاعي مع وقف الذخائر أو العمليات التي يراها مخالفة للقانون والمصلحة الأمريكية، وجناحًا تقليديًا يعد العلاقة مع إسرائيل رصيدًا استراتيجيًا يجب حمايته حتى عند الاختلاف مع نتنياهو. أحدث التصويت فرزًا بين هذه الاتجاهات، لكنه كشف أيضًا مساحة مشتركة بينها: حتى عدد من معارضي التعديل أقروا بأن السياسة الراهنة تحتاج إلى تغيير، وأن صياغة ماسي الواسعة كانت سبب الرفض لا الرضا عن الوضع القائم. ٣
الفاعل الثاني هو الحزب الجمهوري. منح رفض ٢١٥ جمهوريًا للتعديل المساعدة قاعدة تشريعية صلبة في المدى القريب، وربطها أكثر ببرنامج الحزب وبسياسة الرئيس ترامب. يستمد هذا الموقف قوته من ثلاثة روافد: تصور أمني يرى إسرائيل شريكًا في مواجهة إيران والجماعات المسلحة؛ قاعدة إنجيلية بيضاء ما زالت أكثر الفئات الأمريكية تأييدًا لإسرائيل؛ وخطاب حزبي يستخدم الانقسام الديمقراطي لإظهار الخصم عاجزًا عن حماية حليف. غير أن التماسك الجمهوري لا يخلو من شقوق. ماسي يمثل نزعة «أمريكا أولًا» الرافضة للإنفاق الخارجي، وتظهر استطلاعات الرأي أن الجمهوريين الأصغر سنًا أقل تأييدًا لإسرائيل ونتنياهو من الجمهوريين الأكبر سنًا. لا تكفي هذه الشقوق لتغيير التصويت الآن، لكنها تمنع افتراض بقاء القاعدة الجمهورية على حالها لعقد آخر. ٥
الفاعل الثالث هو السلطة التنفيذية. لا يملك الكونغرس وحده تحويل المزاج العام إلى قيد فعلي؛ فالإدارة تتحكم في توقيت صفقات السلاح، والإخطارات، والتراخيص، والتفسير العملي لقوانين المساعدة، كما تستطيع استخدام رصيدها السياسي لحماية الاعتمادات. في عهد ترامب، تميل السلطة التنفيذية إلى تثبيت الدعم، ما يخفض أثر الأغلبية الديمقراطية داخل مجلس النواب حتى لو تحققت بعد انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني. لكن قوة الرئيس لا تلغي الرقابة؛ إذ يستطيع الكونغرس زيادة متطلبات التقارير، أو تجزئة الاعتمادات، أو تأخير بعض المسارات، أو جعل تكلفة التجاوز السياسي أعلى.
الفاعل الرابع هو الحكومة الإسرائيلية. أثرت حكومة نتنياهو في انتقال النقاش الأمريكي من التحالف إلى الشرط. تظهر بيانات بيو أن التقييم السلبي للحكومة الإسرائيلية أشد من التقييم السلبي للشعب الإسرائيلي، وأن ٥٩٪ من الأمريكيين لا يملكون ثقة كبيرة أو أي ثقة في قدرة نتنياهو على اتخاذ قرارات صحيحة في الشؤون العالمية. يعني ذلك أن جزءًا من التراجع مرتبط بالقيادة والسياسات، لا بإسرائيل وحدها. لكنه يعني أيضًا أن إسرائيل لم تعد قادرة على افتراض أن الفصل بين الحكومة والدولة سيحمي التمويل تلقائيًا؛ فكلما طال أمد الحرب واتسع أثرها الإنساني، انتقلت الكلفة من صورة نتنياهو إلى صورة العلاقة نفسها. ٥
الفاعل الخامس هو الرأي العام المتحول إلى قاعدة ضغط. في ربيع ٢٠٢٦، حمل ٦٠٪ من الأمريكيين نظرة سلبية إلى إسرائيل، مقارنة بـ٥٣٪ في العام السابق و٤٢٪ في ٢٠٢٢. ارتفعت النسبة بين الديمقراطيين والمستقلين المائلين إليهم إلى ٨٠٪، كما سجلت أغلبية الجمهوريين دون الخمسين تقييمًا سلبيًا. وفي استطلاع غالوب خلال فبراير/شباط، قال ٦٥٪ من الديمقراطيين إن تعاطفهم أقرب إلى الفلسطينيين، مقابل ١٧٪ إلى الإسرائيليين؛ وانتقل المستقلون بدورهم إلى ترجيح الفلسطينيين للمرة الأولى في السلسلة التي يعرضها الاستطلاع. ٥٦
هذه الأرقام لا تتحول آليًا إلى سياسة خارجية. يهتم الناخبون بالاقتصاد والهجرة والأمن الداخلي أكثر من اهتمامهم بمعظم ملفات الشرق الأوسط، وتبقى الجماعات المنظمة والمانحون والدوائر الانتخابية أكثر تأثيرًا من الرأي العام العام في الانتخابات التمهيدية. لكن تغير المزاج يبدل حساب المخاطرة لدى النائب الديمقراطي: كان التصويت ضد المساعدة يهدد بعزلة داخل الحزب؛ أما الآن فقد يصبح التصويت لصالحها بلا شروط مصدر مساءلة في دوائر معينة. حين تتغير كلفة الموقف، يتغير سلوك المؤسسة حتى لو بقيت القوانين ثابتة مؤقتًا.
-
أدوات الصراع داخل البنية الأمريكية
لن يتحول الخلاف غالبًا عبر تصويت شامل مماثل لتعديل ماسي. الأداة الأكثر واقعية هي تجزئة الدعم. يمكن للكونغرس أن يفصل بين الدفاع الصاروخي، الذي يسهل تبريره بوصفه حماية للمدنيين، وبين الذخائر التي تدخل في عمليات هجومية. هذا الفصل يمنح الديمقراطيين المعتدلين صيغة تجمع بين استمرار الالتزام بأمن إسرائيل وفرض حدود على سلوك حكومتها. كما يحرم المدافعين عن التمويل من استخدام حجة أن أي قيد يعرّض إسرائيل مباشرة للصواريخ أو الطائرات المسيّرة.
الأداة الثانية هي تحويل الرقابة من إجراء لاحق إلى شرط سابق. لدى وزارتي الخارجية والدفاع برامج لمراقبة الاستخدام النهائي للمعدات الأمريكية، لكن تقريرًا لمكتب المساءلة الحكومية في ديسمبر/كانون الأول ٢٠٢٥ أشار إلى أن توصية سابقة بتقييم قدرة برنامج «غولدن سنتري» على توفير ضمان معقول لاستخدام المعدات في أغراضها المقررة لم تكن قد نُفذت بعد. لا يتعلق هذا القصور بإسرائيل وحدها، لكنه يمنح الداعين إلى التشدد أساسًا مؤسسيًا للمطالبة بتقارير أدق، وبتعليق بعض الشحنات إلى حين اكتمال التحقق. ٧
الأداة الثالثة هي نقل النزاع إلى مرحلة ما بعد مذكرة التفاهم. ينتهي الإطار الحالي مع السنة المالية ٢٠٢٨. لن يكون السؤال عندئذ مقدار الحزمة فقط، بل مدتها وطريقة تقسيمها وآليات مراجعتها. تستطيع إدارة مؤيدة لإسرائيل توقيع مذكرة جديدة، غير أن قدرة المذكرة على استعادة وظيفة «التأمين لعشر سنوات» ستعتمد على قبول الكونغرس والائتلاف الحزبي. إذا دخل التفاوض في بيئة ديمقراطية منقسمة، فقد تظهر بدائل تشمل مدة أقصر، ومراجعات دورية، وفصل التمويل الدفاعي عن الهجومي، أو اشتراطات مرتبطة بالقانون الأمريكي والاستخدام النهائي.
الأداة الرابعة انتخابية. لم يعد التصويت على المساعدة يُقرأ في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية بوصفه ملفًا خارجيًا منفصلًا؛ بل يرتبط بتعريف الحزب لحقوق الإنسان، وبعلاقة المال السياسي بصنع القرار، وبمصداقية قيادته لدى الشباب والأقليات. في المقابل، سيستخدم الجمهوريون أي محاولة للتقييد لإثبات أن الديمقراطيين ابتعدوا عن حليف استراتيجي. بهذه الطريقة تتحول إسرائيل من مساحة توافق خارجي إلى علامة هوية داخلية، ويصبح كل تصويت مادة لبناء الاصطفاف الحزبي التالي.
-
المحددات الدافعة والكابحة
يدفع التحول أربعة محددات مترابطة. أولها طول الحرب في غزة واتساع أثرها الإنساني؛ فاستمرار العمليات يحرم مؤيدي العلاقة من إمكان تقديم الأزمة بوصفها استجابة محدودة لهجوم ٧ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٣. ثانيها شخصنة العلاقة في نتنياهو، الذي تراجعت الثقة به داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك قطاعات يهودية أمريكية. ثالثها التبدل الجيلي؛ إذ تظهر بيانات بيو في مايو/أيار ٢٠٢٦ أن ٣٢٪ فقط من الأمريكيين دون الثلاثين ينظرون بإيجابية إلى الشعب الإسرائيلي، مقابل ٥٨٪ للشعب الفلسطيني، وأن التأييد للحكومة الإسرائيلية في الفئة نفسها لا يتجاوز ١٨٪. رابعها انتقال القضية من الجامعات والاحتجاجات إلى السجل التشريعي والانتخابات التمهيدية، ما يمنح الموقف أثرًا على مستقبل أعضاء الكونغرس. ٨
في المقابل، تكبح التحول محددات لا تقل قوة. إسرائيل شريك عسكري واستخباري متداخل مع بنية الأمن الإقليمي الأمريكي، ولا سيما بعد اتساع المواجهة مع إيران في ٢٠٢٦. ترتبط المساعدة بعقود ومصالح صناعية داخل الولايات المتحدة، ويظل مجلس الشيوخ أكثر مقاومة من مجلس النواب للتحولات السريعة. كما يملك الرئيس سلطة واسعة في تنفيذ السياسة الخارجية، بينما لا يمنح الرأي العام هذا الملف دائمًا أولوية انتخابية كافية لإسقاط مرشحين في الدوائر المتأرجحة. فوق ذلك، تسمح صياغات التقييد السيئة لمؤيدي التمويل بجمع أصوات مترددة عبر التحذير من قطع المساعدة الإنسانية أو الدفاعية معًا.
ينتج تفاعل الدوافع والكوابح مسارًا غير خطي. قد تتزايد أصوات الاعتراض من دون أن ينخفض المبلغ السنوي فورًا. وقد تبقى الحزمة ثابتة اسميًا بينما تتغير سرعة التسليم، ونوعية المعدات، وشروط الرقابة، ولغة التقارير. لذلك سيكون قياس التحول بالمبلغ وحده مضللًا؛ جوهر التحول يقع في انتقال سلطة التفسير من افتراض أن التمويل حق مستقر إلى افتراض أنه قرار يحتاج إلى تبرير متكرر.
«جوهر التحول يقع في انتقال سلطة التفسير من افتراض أن التمويل حق مستقر إلى افتراض أنه قرار يحتاج إلى تبرير متكرر.»
-
الدلالة الاستراتيجية: انكشاف الضمان السياسي
تتجاوز آثار الانقسام علاقة واشنطن بتل أبيب. أول أثر هو تقلص قدرة إسرائيل على استخدام الدعم الأمريكي باعتباره موردًا ثابتًا لا يتأثر بسياساتها الداخلية. حين يصبح جزء معتبر من حزب أمريكي كبير مستعدًا لتسجيل موقف ضد التمويل، تدخل قرارات الحكومة الإسرائيلية في حساب استدامة التحالف. لا يعني ذلك أن واشنطن ستفرض إرادتها، لكنه يرفع كلفة تجاهلها ويزيد قيمة التفاهم مع أجنحة الحزبين بدل الارتهان إلى طرف واحد.
الأثر الثاني هو انتقال العلاقة نحو «التحزب غير المتكافئ». ما زال الجمهوريون أكثر تماسكًا من الديمقراطيين، ولذلك لا تصبح إسرائيل قضية حزبية متناظرة؛ بل حليفًا يحظى بضمان جمهوري قوي ودعم ديمقراطي متشظٍ. يمنح هذا الوضع إسرائيل حماية قصيرة الأجل عندما يسيطر الجمهوريون، لكنه يقلل مرونتها عند انتقال السلطة. التحالف الذي يعتمد على حزب واحد يصبح أكثر عرضة للتذبذب، حتى لو كان ذلك الحزب شديد الالتزام به.
الأثر الثالث يمس السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. كلما اتسعت الفجوة بين الرأي العام الديمقراطي والممارسة الرسمية، زادت صعوبة استخدام خطاب حقوق الإنسان لتبرير سياسات أخرى. يرى منتقدو الدعم أن الاستثناء الإسرائيلي يضعف صدقية واشنطن في محاسبة خصومها؛ ويرى مؤيدوه أن التخلي عن إسرائيل يضعف الردع ويشجع خصوم الولايات المتحدة. هذا التعارض لا يملك حلًا لغويًا، بل سيظهر في تصميم الأدوات: أي نظم سلاح تُموّل، وما السلوك الذي يستدعي التعليق، ومن يقرر تحقق الشروط.
الأثر الرابع يقع داخل إسرائيل نفسها. إذا قرأت النخبة الإسرائيلية التصويت باعتباره ضجيجًا انتخابيًا عابرًا، فقد تواصل الاعتماد على الدعم الجمهوري وعلى صلابة المؤسسات. وإذا قرأته باعتباره إنذارًا مبكرًا، فستحتاج إلى إعادة بناء صلاتها مع الديمقراطيين، لا عبر حملات علاقات عامة فقط، بل عبر سياسات تقلل التناقض بين ممارساتها والقيم التي يعلنها الحزب. لا تحسم البيانات أي القراءتين ستسود، لكنها تبين أن تكلفة الخطأ في القراءة ترتفع كلما اقترب عام ٢٠٢٨.
-
الاتجاهات المحتملة حتى ٢٠٢٨
الاتجاه المرجح هو استمرار التمويل الأساسي مع تزايد محاولات تفكيكه إلى مكونات مختلفة. يدعم هذا الترجيح ثقل المذكرة الحالية، وموقف الإدارة، والتماسك الجمهوري، ومصالح المؤسسات الأمنية والصناعية. في المقابل، ترجح أرقام الرأي العام وتصويت يوليو أن يتسع التأييد الديمقراطي لشروط الاستخدام والرقابة. يظهر تحقق هذا الاتجاه إذا استمرت الاعتمادات السنوية قريبة من مستواها الحالي، بالتوازي مع ارتفاع عدد التعديلات التي تفصل الدفاع الصاروخي عن الذخائر الهجومية، أو تطلب تقارير مسبقة عن الامتثال والاستخدام النهائي.
الاتجاه الأقل احتمالًا هو استعادة جزئية للتوافق. يحتاج ذلك إلى توقف طويل للعمليات الواسعة في غزة، وتغير في القيادة أو السياسة الإسرائيلية، وإطار تفاوضي يمنح الديمقراطيين مبررًا للعودة إلى دعم الحزمة. قد تتحسن صورة إسرائيل عند الفصل بينها وبين نتنياهو، لكن البيانات الجيلية تجعل العودة إلى وضع ٢٠١٦ غير مرجحة؛ فالتحول سبق بعض أحداث الحرب، واتسع بعدها، وأصبح جزءًا من هوية سياسية لدى فئات شابة. لذلك قد تستعاد أغلبية ديمقراطية للتمويل، من دون استعادة مبدأ الضمان المفتوح.
الاتجاه الصادم هو انتقال الانقسام إلى خفض فعلي قبل ٢٠٢٨. يحتاج إلى اجتماع شروط صعبة: أغلبية ديمقراطية قادرة على ضبط مجلسي الكونغرس، وإدارة مستعدة لاستخدام التمويل للضغط، واستمرار سياسات إسرائيلية تولد أزمة كبيرة، وصياغة تشريعية تفصل الأمن الدفاعي عن الاعتراض على العمليات. لا تدعم المعطيات الحالية ترجيح هذا المسار، لكن تصويت يوليو أخرجه من دائرة المستحيل السياسي إلى دائرة الاحتمال المشروط.
-
من استمرارية التمويل إلى انكشاف الضمان
لا يعلن تصويت ١٥ يوليو/تموز نهاية الدعم الأمريكي لإسرائيل، بل يكشف نهاية مرحلة كان يمكن فيها مساواة استمرار التحالف باستمرار شروطه من دون مراجعة. ما زالت المؤسسات والسلطة التنفيذية والحزب الجمهوري قادرة على حماية المبلغ السنوي، لكن الحزب الديمقراطي لم يعد يوفر الغطاء نفسه، وقاعدته الانتخابية تتحرك في اتجاه أبعد من موقف كثير من قياداته. لذلك يقع التحول الحقيقي في الشرعية لا في الاعتماد: المال مستمر، بينما تتراجع الحصانة السياسية التي كانت تمنع تحويله إلى موضوع مساءلة.
المسار الأرجح حتى ٢٠٢٨ ليس القطع ولا العودة الكاملة إلى التوافق، بل إعادة تركيب الدعم وفصل مكوناته وفق الوظيفة وشروط الاستخدام. سيبقى ما يمكن تقديمه بوصفه دفاعًا عن المدنيين الإسرائيليين أكثر ثباتًا، بينما تتعرض الأدوات المرتبطة بالعمليات الهجومية لرقابة أشد. وستصبح المذكرة التالية، إن جرى التفاوض عليها، اختبارًا لقدرة العلاقة على العيش من دون إجماعها القديم. عند تلك النقطة سيتضح ما إذا كان تصويت يوليو حادثة احتجاجية واسعة، أم اللحظة التي بدأ فيها التحالف يفقد ضمانه العابر للحزبين.
«المسار الأرجح حتى ٢٠٢٨ ليس القطع ولا العودة الكاملة إلى التوافق، بل إعادة تركيب الدعم وفصل مكوناته وفق الوظيفة وشروط الاستخدام.»
-
المراجع المختارة
١. مكتب كاتب مجلس النواب الأمريكي، سجل التصويت رقم ٢٤٣، ١٥ يوليو/تموز ٢٠٢٦. المصدر
٢. لجنة القواعد في مجلس النواب الأمريكي، تعديل توماس ماسي رقم ٨ على مشروع H.R. 8595، يوليو/تموز ٢٠٢٦. المصدر
٣. وكالة رويترز، «مجلس النواب الأمريكي يرفض محاولة قطع المساعدة عن إسرائيل وسط انقسام ديمقراطي»، ١٥ يوليو/تموز ٢٠٢٦؛ وكالة أسوشيتد برس، «أكثر من نصف ديمقراطيي مجلس النواب يصوتون لخفض المساعدة لإسرائيل»، ١٥ يوليو/تموز ٢٠٢٦. المصدر
٤. وزارة الخارجية الأمريكية، مذكرة التفاهم بشأن المساعدة الأمنية لإسرائيل، سبتمبر/أيلول ٢٠١٦؛ وزارة الخارجية الأمريكية، مبررات موازنة السنة المالية ٢٠٢٧. المصدر
٥. مركز بيو للأبحاث، «ازدياد الآراء السلبية تجاه إسرائيل ونتنياهو، ولا سيما بين الشباب»، ٧ أبريل/نيسان ٢٠٢٦. المصدر
٦. مؤسسة غالوب، «الإسرائيليون لم يعودوا متقدمين في تعاطف الأمريكيين مع طرفي الصراع»، ٢٧ فبراير/شباط ٢٠٢٦. المصدر
٧. مكتب المساءلة الحكومية الأمريكي، «وزارة الدفاع تحتاج إلى تحسين تقييم برنامج مراقبة الاستخدام النهائي»، ١٦ ديسمبر/كانون الأول ٢٠٢٥. المصدر
٨. مركز بيو للأبحاث، «تزايد سلبية آراء الأمريكيين في الإسرائيليين مع استقرار نسبي في نظرتهم إلى الفلسطينيين»، ٩ يوليو/تموز ٢٠٢٦. المصدر




































