- استقالة هيلي وأزمة الصدق الدفاعي البريطاني
- حين يختبر تمويل القوة حدود الدور البريطاني وقيادة ستارمر
- فجوة التمويل والجاهزية تختبر قيادة ستارمر وصدقية لندن داخل الناتو
مدخل
دفعت استقالة وزير الدفاع البريطاني جون هيلي الخلاف الدفاعي من غرف الموازنة إلى صلب أزمة الحكم في بريطانيا. أعلن رحيله في ١١ يونيو/حزيران ٢٠٢٦ بعد أشهر من النزاع مع رئاسة الحكومة ووزارة الخزانة حول خطة الاستثمار الدفاعي المتأخرة. وعيّن كير ستارمر وزير الأمن السابق دان جارفيس وزيرًا للدفاع في اليوم نفسه، ثم استقال وزير القوات المسلحة آل كارنز، معتبرًا أن خطط الإنفاق لا تتناسب مع مستوى التهديد﴿١، ١٠﴾. وكان هيلي قد رفض تسوية ترفع الإنفاق المؤهل دفاعيًا إلى نحو ٢٫٦٨٪ من الناتج المحلي بحلول عام ٢٠٣٠، وطالب بمسار يصل إلى ٣٪ في العام نفسه. وكانت الحكومة قد ثبّتت بلوغ ٢٫٦٪ عام ٢٠٢٧، وربطت الوصول إلى ٣٪ في البرلمان المقبل بالظروف المالية والاقتصادية﴿١، ٢﴾.
لم تختزل الاستقالة في خلاف على رقم الموازنة. فقد وقعت لحظة كان يفترض فيها تحويل المراجعة الدفاعية الاستراتيجية لعام ٢٠٢٥ من إعلان عن الجاهزية للقتال وقيادة الناتو إلى عقود وقوات ومخزونات وجداول تسليم﴿٣﴾. وعند الانتقال من الخطاب إلى التنفيذ، اصطدمت الحكومة بالسؤال الذي أجّلته مراجعات متعاقبة: هل تموّل بريطانيا الدور العسكري الذي تعلنه، أم تعيد ترتيب ذلك الدور وفق قدرتها البشرية والصناعية والمالية؟
السؤال المركزي والفرضية
السؤال المركزي هو: إلى أي مدى تكشف استقالة جون هيلي عن خلل بنيوي في مواءمة الطموح الدفاعي البريطاني مع الموارد الفعلية، وما أثر هذا الخلل في سلطة كير ستارمر، وصدقية بريطانيا داخل الناتو، واستدامة التزاماتها في أوكرانيا والشرق الأوسط؟
تدل الاستقالة على أزمة في نموذج إنتاج القوة، لا على نزاع عابر بين وزير الدفاع والخزانة. حافظت الدولة على مهام واسعة، من الردع النووي وقيادة الحلف ودعم أوكرانيا إلى الحضور البحري خارج أوروبا، بينما ظلت وتيرة التمويل والتعاقد والتجنيد أبطأ من اتساع الالتزامات. ويبدأ تصحيح المسار بإعلان المقايضات المؤجلة: أي قدرات ستحظى بالأولوية، وأي برامج ستؤجل، وأي مسارح ستتحمل مخاطر أكبر.
من فجوة التمويل إلى أزمة نموذج القوة
تستقيم الاستراتيجية حين يتقارب تعريف الخطر مع حجم المهمة والقدرة المموّلة. حدّدت مراجعة ٢٠٢٥ روسيا تهديدًا مباشرًا، واعتمدت سياسة «الناتو أولًا»، ودعت إلى جاهزية أعلى للقتال، مع استمرار الردع النووي ودعم أوكرانيا والحضور البحري والقدرة على العمل خارج المجال الأوروبي﴿٣﴾. يمكن جمع هذه الوظائف داخل استراتيجية واحدة إذا امتلكت الدولة كتلة كافية من الأفراد والمنصات والمخزونات والإسناد الصناعي. غير أن الخلاف الذي انتهى باستقالة هيلي دلّ على أن الحكومة وسّعت تعريف المهمة قبل أن تغلق حساب الأدوات.
ظهر التناقض بوضوح في الفارق بين زمن الخزانة وزمن الدفاع. تستطيع الخزانة توزيع الزيادة على أعوام وربطها بالنمو أو بإعادة ترتيب النفقات، بينما تعمل وزارة الدفاع ضمن دورات أطول: تدريب أطقم، وبناء خطوط إنتاج، وتأمين مكونات، وتوقيع عقود، وإجراء اختبارات، ثم إدخال القدرة إلى الخدمة. وكل تأخير في التعاقد يرفع خطر زيادة الأسعار أو انتقال الموردين والمهارات إلى أسواق أخرى.
قدّمت لجنة الحسابات العامة في مجلس العموم دليلًا مؤسسيًا على عمق المشكلة. فقد خلص تقريرها الصادر في ٧ يونيو/حزيران ٢٠٢٦ إلى أن استمرار غياب خطة قابلة للتنفيذ يعرقل تحديث القوات ويضعف العلاقة مع الصناعة، وأن الوزارة لم تحسم بعد القدرات والبنية التحتية والأفراد المطلوبين للوصول إلى الجاهزية ضمن الموازنة المتاحة، كما لم تحصل على الاتفاق الحكومي الشامل الذي تحتاج إليه الخطة﴿٤﴾. لذلك كانت الاستقالة لحظة انكشاف علني لا بداية الخلل.
الصدق الاستراتيجي في مراجعات الدفاع
يقدّم البحث الذي أعده ميف رايان وجيمي غاسكارث وويليام رينولدز إطارًا يفسر تكرار الفجوة بين التخطيط والتنفيذ. اعتمد الباحثون مقابلات ومجموعات نقاش مع مشاركين في مراجعات الدفاع البريطانية، وحددوا عللًا مؤسسية متكررة، من بينها الانحياز إلى التفاؤل، وإخفاء المقايضات، وضعف آليات المتابعة، والحفاظ على صورة متماسكة للخطة رغم عدم اتساق عناصرها﴿٥﴾.
تنشأ المشكلة من حوافز متعارضة. تسعى القوات إلى الاحتفاظ بأوسع طيف من القدرات؛ وتريد القيادة السياسية إثبات حضور دولي مؤثر؛ وتعمل الخزانة على منع انفلات الإنفاق والدين. وعندما يرفض كل طرف التخلي عن أولوياته، تظهر تسويات ورقية تعتمد على وفورات مرتفعة، أو تأجيل قرارات الشراء، أو افتراض أن التكنولوجيا ستعوض النقص في العدد والانتشار. تبدو الخطة متوازنة محاسبيًا، بينما تنتقل الفجوة إلى الصيانة والتدريب والمخزون والجاهزية.
قرأ غاسكارث خطة الاستثمار المؤجلة من الزاوية نفسها. فبريطانيا ناقشت خلال الأعوام الأخيرة أدوارًا ثقيلة، منها مساهمة كبيرة في الناتو، وقوة محتملة لأوكرانيا، ومهمة بحرية في مضيق هرمز، وترتيبات بعيدة المدى خارج أوروبا﴿٦﴾. لا تمثل هذه الأمثلة قرارات نهائية مجتمعة، لكنها تكشف اتساع المجال الذي تتوقع النخبة السياسية أن تتحرك فيه القوات. رفض هيلي، وفق مضمون استقالته، أن يوقّع خطة تحافظ على الاتساق المحاسبي من دون أن توفر الجاهزية المطلوبة﴿١﴾.
«قوة الظل» وحدود التعويض التكنولوجي
دافع التخطيط البريطاني طويلًا عن إمكان «فعل المزيد بموارد أقل» عبر التكنولوجيا والتخصص والعمل تحت القيادة الأميركية. أنتج هذا التصور ما وصفه غاسكارث بـ«قوة الظل»: طيف واسع من القدرات البرية والبحرية والجوية والنووية، لكن بأحجام صغيرة داخل كل فئة، فتضيق الخيارات حين تطول الأزمة أو تتزامن مهمتان﴿٦﴾. امتلاك منصة متقدمة لا يضمن القدرة على إبقائها منتشرة، وصيانتها، وتدوير أطقمها، وتعويض خسائرها.
ظهر ضيق الهامش خلال حرب ٢٠٢٦ بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، حين احتاجت بريطانيا إلى أسابيع لنشر حضور بحري يطمئن الحلفاء، ثم حُوّلت السفينة المنتشرة للصيانة﴿٦﴾. لا يثبت المثال عجزًا شاملًا، لكنه يوضح أن جودة المنصة لا تعالج نقص العدد والإسناد والاحتياط التشغيلي.
يزداد أثر هذا النقص مع تغير المظلة الأميركية. بُني جزء واسع من التخطيط البريطاني على افتراض أن الولايات المتحدة ستقود العمليات الكبرى، وأن لندن ستقدم قدرات نوعية داخل قوة أوسع. يتراجع استقرار هذا الافتراض مع مطالبة واشنطن الأوروبيين بتحمل مسؤولية أكبر عن أمن القارة، ومع توزيع الموارد الأميركية على أوروبا والشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. إذا أرادت بريطانيا سد جزء من الفراغ، فستحتاج إلى كتلة ومخزون وقدرة على الاستمرار، لا إلى تحسين النوعية وحده.
الفاعلون ومصالحهم داخل الدولة
يدير رئيس الوزراء موازنة سياسية بين الأمن والاستقرار المالي والشرعية الحزبية. يريد ستارمر الحفاظ على صورة بريطانيا قوة قيادية داخل الناتو، لكنه يواجه كلفة رفع الضرائب أو خفض الإنفاق المدني أو زيادة الاقتراض. تمنحه الوعود المرتبطة بالظروف الاقتصادية مرونة في توقيت الزيادة، لكنها تقلل يقين وزارة الدفاع والصناعة بشأن الأموال التي ستصل فعلًا.
تتعامل الخزانة مع المسألة من منطق مختلف. فلا يمكن تمويل الإنفاق الدفاعي الدائم بالاقتراض لسنوات طويلة من دون أثر في الدين والفوائد والحيز المالي. ويبيّن معهد الدراسات المالية أن بلوغ المستويات الأعلى يحتاج إلى ضرائب أو تخفيض نفقات أخرى، وأن زيادة الموازنة لا تتحول تلقائيًا إلى قدرة، ولا سيما مع اختناقات الصناعة وسجل المشتريات المتعثر﴿٧﴾. ويعبّر تحفّظ الخزانة، من هذه الزاوية، عن تعريف للاستدامة المالية بوصفها جزءًا من قوة الدولة.
تتحمل وزارة الدفاع وقيادات القوات النتيجة التشغيلية المباشرة للتأخير. وحين لا تتحقق الوفورات المفترضة، تُرحَّل الصيانة والتدريب والعقود، أو يُمدَّد عمر المعدات. لا تظهر هذه الإجراءات فورًا بوصفها خفضًا رسميًا، لكنها تراكم مخاطر الجاهزية. ويزيد الضغط لأن المؤسسة النووية استهلكت ١٨٪ من موازنة الدفاع في ٢٠٢٤–٢٠٢٥، وكان متوقعًا أن تبلغ ٢٠٪ في السنة التالية، مع احتمال صعودها إلى ما بين ٢٠٪ و٢٥٪ في الأعوام المقبلة﴿٤﴾. وكل ارتفاع في هذه الحصة يضيق المجال أمام القوات التقليدية ما لم تكبر الموازنة الكلية.
تحتاج الصناعة إلى يقين تعاقدي. وتنفق وزارة الدفاع نحو ٨٥٪ من موازنتها داخل المملكة المتحدة، وفق لجنة الحسابات العامة، ما يجعل تأخر الخطة عاملًا يضعف القاعدة الصناعية التي يفترض أن توسع الإنتاج﴿٤﴾. لا تبني الشركات مصانع ولا تستقطب مهارات متخصصة استنادًا إلى إشارات قابلة للتراجع؛ بل تحتاج إلى كميات ومواعيد وعقود واضحة.
المقايضات التي يجب أن تعلنها الخطة
تواجه خطة الاستثمار أربع مقايضات رئيسية. الأولى بين الانتشار العالمي والدفاع الأوروبي. تخصيص سفن وطائرات وأفراد للخليج أو للمحيطين الهندي والهادئ يقلل المتاح لشمال الأطلسي والجناح الأوروبي للحلف، ما لم تزد الكتلة الإجمالية.
الثانية بين القدرات السيادية والشراء الجاهز. يحمي التصميم المحلي الاستقلال الصناعي وحرية التعديل، لكنه غالبًا أبطأ وأعلى كلفة. أما الشراء من الخارج فيسرع إدخال القدرة، لكنه يوسع الاعتماد على الموردين وسلاسل الدعم الأجنبية.
الثالثة بين الردع النووي والقوات التقليدية. يحتفظ الردع بمكانة مركزية في أمن بريطانيا وموقعها، لكنه يستهلك حصة متنامية من الاستثمار. والسؤال التنفيذي هنا هو الكلفة البديلة: أي برامج تقليدية ستتأخر أو تتقلص إذا واصلت الحصة النووية صعودها؟
الرابعة بين التكنولوجيا والكتلة. تمنح المسيّرات والذكاء الاصطناعي والشبكات القتالية كل فرد ومنصة قدرة أكبر، لكنها لا تلغي الحاجة إلى أعداد كافية من الوحدات والمخزونات وفرق الصيانة. ارتفعت حصة الإنفاق الرأسمالي من نحو ربع الموازنة خلال معظم العقدين السابقين إلى ٣٥٪ في ٢٠٢٣–٢٠٢٤، مع توقع بلوغها ٤٣٪ بحلول ٢٠٢٨–٢٠٢٩﴿٧﴾. وتبيّن هذه النسبة أولوية المعدات، لكنها تفتح في المقابل سؤال الأفراد والتشغيل والتدريب اللازم لتحويلها إلى قوة قابلة للاستخدام.
تكتسب الخطة صدقيتها عندما تعلن ترتيب الأولويات والكلفة البديلة، لا عندما تبقي جميع الوعود مفتوحة. يجب أن تحدد القدرات التي ستمول أولًا، والبرامج التي ستتأخر، ومعايير المفاضلة بين المنتج المحلي والجاهز، ومستوى المخاطر المقبولة في كل مسرح.
الفجوة المالية ووهم الوفورات
تشير تقديرات متداولة إلى فجوة تمويل تقارب ٢٨ مليار جنيه إسترليني على مدى أربعة أعوام. ولم يصدر الرقم بوصفه حسابًا حكوميًا نهائيًا، لكنه يعكس حجم الضغط الذي تواجهه الخطة﴿٦﴾. كما أفادت تقارير الاستقالة بأن التسوية المعروضة بقيت أدنى من المسار الذي طلبه هيلي، فبلغ التفاوض نقطة الانسداد﴿١﴾.
تعتمد الحكومات عادة على وفورات الكفاءة لإغلاق جزء من الفجوة. وقد تنتج إعادة تنظيم المشتريات أو إزالة الازدواجية وفرًا حقيقيًا، لكن إدراج وفر غير محدد بوصفه مصدر تمويل يضع النتيجة في الموازنة قبل بناء آلية تحقيقها. وعندما لا يتحقق الوفر، ينتقل النقص إلى البرامج والمخزون والأفراد.
المال نفسه يحتاج إلى زمن كي يتحول إلى قوة. تحذر تحليلات معهد الدراسات المالية من أن المنافسة الدولية على السلاح والمكونات قد ترفع الأسعار، وأن الطاقة الإنتاجية لا تتوسع بالسرعة نفسها﴿٧﴾. لذلك يتطلب بناء القدرة تسلسلًا واضحًا: تمويل مبكر، وعقود مستقرة، وتوسيع صناعي، وتدريب، وتسليم، ثم إدماج تشغيلي. تختصر نسبة الناتج المحلي هذا المسار المعقد، لكنها لا تختصر الزمن اللازم لإنجازه.
ستارمر وكلفة الخيارات الثلاثة
ازداد الأثر السياسي لأن استقالة هيلي أعقبتها استقالة وزير القوات المسلحة آل كارنز، الذي رأى أن خطط الإنفاق لا تتناسب مع مستوى التهديد﴿١﴾. ولم يعد الخلاف محصورًا في وزير واحد؛ فقد وصفت لجنة الدفاع في مجلس العموم استقالة هيلي بأنها «لحظة بالغة الخطورة»، بما ينقل النزاع من خلاف مالي داخلي إلى اختبار لثقة المؤسسة السياسية والعسكرية بقدرة الحكومة على تنفيذ سياستها المعلنة﴿٨﴾.
أمام ستارمر ثلاثة خيارات مكلفة. رفع التمويل بعد الاستقالة يمنح هيلي حجة أنه فرض التصحيح من خارج الحكومة. والإبقاء على جوهر الخطة يثبت أن الأهداف بقيت بلا تمويل كاف. أما خفض الطموح العسكري فيعرض الحكومة لاتهام بالتراجع بينما تطالب واشنطن والحلف بزيادة المساهمة الأوروبية.
لا توجد قرينة كافية على أن هيلي بدأ حملة لقيادة الحزب. غير أن الاستقالة منحته موقعًا سياسيًا واضحًا: وزير غادر لأنه رفض تحمل مسؤولية ضمانات أمنية رأى أن أدواتها ناقصة. ويتحول هذا الرصيد إلى تحدٍّ فعلي إذا اتسع الاصطفاف النيابي خلفه، أو فشل دان جارفيس في انتزاع موارد إضافية، أو عجزت الحكومة عن تقديم خطة تقنع الحزب والحلفاء.
الناتو وأوكرانيا والشرق الأوسط
تسلّم دان جارفيس وزارة الدفاع في ١١ يونيو/حزيران ٢٠٢٦، قبل أقل من شهر على قمة الناتو المقررة في أنقرة يومي ٧ و٨ يوليو/تموز ٢٠٢٦﴿٩، ١٠﴾. ولن يقيس الحلفاء صدقية بريطانيا بنسبة الإنفاق وحدها، بل بما ستوفره من قوات وذخائر ودفاع جوي وقدرات بحرية، وبمواعيد وصول هذه العناصر. فإذا نُشرت الخطة بلغة طموحة من دون عقود وتمويل مفصل، ينتقل الضرر من تأخر الوثيقة إلى ضعف الثقة بالتنفيذ.
لن تقلب الاستقالة دعم أوكرانيا فورًا، لأن هذا الالتزام يستند إلى توافق أوسع من شخص الوزير. غير أن استدامته تحتاج إلى تعويض المخزونات وزيادة الإنتاج. تستطيع لندن الحفاظ على خطاب سياسي ثابت مع تراجع الكمية أو بطء التسليم؛ ويجب مراقبة هذا التآكل التدريجي بدل انتظار إعلان انسحاب غير مرجح.
يبرز الشرق الأوسط الوجه الآخر للمشكلة. فحماية القواعد وخطوط الملاحة والمصالح البريطانية في الخليج تتطلب قطعًا بحرية وطائرات ودفاعات وأفرادًا قد يحتاج إليهم شمال الأطلسي. لا يفرض ذلك انسحاب بريطانيا من المنطقة، لكنه يجبر الحكومة على تحديد مستوى الحضور الذي تستطيع إدامته من دون إضعاف التزامها الأوروبي.
تقديريًا، لن تفقد بريطانيا موقعها داخل الناتو بسبب استقالة وزير واحد؛ فهي دولة نووية وتملك قدرات استخبارية وصناعية وعسكرية نوعية. لكن استمرار الفجوة بين الإعلان والتنفيذ يغير طبيعة قيادتها تدريجيًا: من دولة توفر كتلة عسكرية معتبرة إلى دولة تقدم قدرات متخصصة وتأثيرًا سياسيًا مع اعتماد أكبر على الحلفاء في الحجم والاستدامة.
المسارات المرجحة خلال الأشهر الستة المقبلة
المسار الأول: احتواء الأزمة بتعديل فعلي. يتحقق إذا تضمنت الخطة تمويلًا إضافيًا، وعقودًا محددة، وجداول تنفيذ، وإعلانًا للبرامج المؤجلة. يعيد هذا المسار قدرًا من الثقة إلى الصناعة والناتو، لكنه يفرض على الحكومة تحديد مصدر الأموال وتحمل الكلفة السياسية. مؤشراته: ارتفاع المخصصات حتى ٢٠٣٠، وإعلان طلبيات جديدة، وتقليل الاعتماد على وفورات مستقبلية. الاحتمال: متوسط؛ الأثر: مرتفع.
المسار الثاني: تثبيت التسوية وإعادة تغليفها سياسيًا. يتحقق إذا اعتمدت الحكومة الخطة سريعًا بعد تعيين دان جارفيس، مع تعديلات محدودة في التوقيت أو توزيع البنود من دون رفع جوهري للمسار المالي الذي رفضه هيلي. يمنح هذا الخيار ستارمر هدنة إدارية قبل قمة الناتو، لكنه ينقل النزاع من داخل الحكومة إلى اختبار التنفيذ؛ إذ تتحول أي فجوة في الجاهزية أو تأخر في العقود إلى قرينة على أن تغيير الوزير لم يغيّر معادلة الموارد. مؤشراته: نشر الخطة خلال فترة قصيرة، وغموض البرامج المؤجلة، وغياب طلبيات كبيرة، واستمرار الاعتماد على وفورات مستقبلية. الاحتمال: مرتفع؛ الأثر: متوسط إلى مرتفع.
المسار الثالث: تحول الاستقالتين إلى أزمة سلطة وقيادة. يزداد احتماله إذا تلاقت استقالتا هيلي وكارنز مع اتساع الاعتراض النيابي على قيادة ستارمر، أو عجزت الخطة عن تهدئة لجنة الدفاع وقيادات القوات والصناعة، أو أخفقت الحكومة في تمرير قراراتها المالية. عندئذ لا يبقى الدفاع ملفًا قطاعيًا؛ بل يصبح دليلًا على ضعف قدرة رئيس الوزراء على حسم الخلاف بين الخزانة والوزارات السيادية. مؤشراته: استقالات إضافية، واصطفاف نيابي علني، وتصاعد الدعوات إلى تغيير القيادة، ورفض مؤسسي واضح للخطة. الاحتمال: منخفض إلى متوسط في الأجل القريب؛ الأثر: مرتفع جدًا.
الترجيح الأقرب خلال الأسابيع الأولى هو المسار الثاني: تمرير خطة معدلة هامشيًا بقيادة دان جارفيس، من دون إعادة بناء كاملة للمسار المالي. يستند هذا الترجيح إلى حاجة ستارمر إلى إغلاق الفراغ الوزاري سريعًا قبل قمة الناتو، وإلى ارتفاع الكلفة السياسية والمالية لأي تراجع كامل عن التسوية. ويبقى الاختبار الحاسم أول قرار مالي وتعاقدي يصدر في عهد جارفيس: هل يضيف موارد وعقودًا تغيّر القدرة الفعلية، أم يعيد تثبيت الخطة التي رفضها سلفه بصياغة سياسية جديدة؟
خاتمة
أنهت استقالة جون هيلي المرحلة التي أمكن فيها فصل الخطاب الدفاعي البريطاني عن حساب كلفته. لا يدور القرار بين ٢٫٦٨٪ و٣٪ فقط؛ بل بين نموذجين للدولة: قوة أوروبية ذات امتداد عالمي تمول الأدوات اللازمة لهذا الموقع، أو دولة تعيد ترتيب مهماتها وفق قاعدة أضيق من الموارد.
تمتلك بريطانيا الردع النووي والتحالفات والاستخبارات والصناعة وقوات محترفة. غير أن توزيع هذه العناصر على التزامات تفوق كتلتها يحولها إلى «قوة ظل» تمنح الحكومة رمز الحضور أكثر مما تمنحها حرية الاختيار عند تزامن الأزمات. ولن يعالج رفع الموازنة وحده هذا الخلل ما لم يتغير أسلوب التخطيط والشراء والمساءلة وإعلان المقايضات.
النتيجة الاستراتيجية هي أن الاستقالة قد تصبح نقطة تصحيح إذا أجبرت الحكومة على تحديد ما ستفعله بريطانيا، وما ستؤجله، ومتى ستبني القدرة، ومن أين ستمولها. أما استبدال الوزير مع إبقاء الطموحات والقيود كما هي، فسوف يحفظ التوازن السياسي على الورق ويزيد اختلال القدرة في الواقع.
المراجع المختارة





































